نعم.. يمكن تنحية "الشيخ خليفة بن سلمان" من الحكومة وتقديمه إلى المحاكمة!
بقلم نادر المتروك
يجب الاعتراف ابتداءً بأن الحكم الخليفي، ومنذ اعتلاء الشيخ حمد السدّة، احترفَ الاشتغال مع مأزقه في الشرعية، وأتقن بدهاءٍ ملحوظ استبصارَ المخارج والحِيل الكفيلة بتخفيف موانع الصدّ الاجتماعية والسياسية التي شكّلت، طوال الفترة السابقة، حاجزاً ثقافياً وشعورياً أبطأ سياسة تطبيع العلاقة معه، والاشتراك في أحلافه التقليدية وأدواته في الموالاة والتشطير والاحتواء. وقد كان تكتيك النظام عبر شعار "الإصلاح الديمقراطي" بمثابة المفتاح السحري الذي قلب المعادلة، وأحدث تبدّلات دراماتيكية لمواقع المعارضة، فضلا عن الشروخ الحادة التي تعرّضت لها اتجاهات الناس وميولهم. ولا يخطئ منْ يقول بأنّ اضطراب اتجاهات المجتمع السياسي في البحرين، واستشراء ظواهر الاستقطاب المضاد والتعنيف في المواقف بين رفاق الأمس، هي إحدى أبرز نواتج اللعبة التي هندس لها الحكم للخروج من زواياه الحرجة. ولن يكون عسيراً أن نعدِّد ظواهر انقلاب المواقف والآراء، وتحوّل اليسار إلى يمين، والوسط إلى وسط الوسط، وارتفاع شعارات جديدة على أنقاض أخرى، وانشغال بعض المعارضة بعرقلة بعض المعارضة الآخر، لنصل إلى نتيجة واضحة مفادها أنّ نظام الحكم كسب نقاطا هامة في هذه الجولة.
2
إيقاع الحكم في تحريك شعار الإصلاح، ظلّ متخلفاً عن الإيقاع المتسارع للمجتمع، الذي يستبطن عمرا طويلا من الأزمات والاحتقانات المبيّتة. وبتوالي انكشاف عورات النظام، كان المجتمع يترنّح على إثر تضبضب حركة المعارضة، وتسليم الأمور إلى مبادرات الحكم الاستباقية. وبفعل التململ الشعبي، وبروز وتيرة متسارعة من نقد الذات وجلدها، وسطوع خطاب جديد من البكائيات، أسرعت أطراف من المعارضة لالتقاط الاتجاه الصحيح، وأسنّت مجددا خطابها المعارض بتبني سياسة الدفع بالتي هي "أخشن"، بتعبير حمزة الحسن. وكان ذلك إيذاناً بعودة خطوط المعارضة الفاصلة، وفرْزاً أوليا للخليط السياسي الذي أراد النظام تمييعه بداخل عباءته. ظهر ذلك مع انكشاف خديعة الميثاق، وانقلاب الشيخ حمد على تعهداته للمعارضة، وتدشين الحكم سياسة فرض الواقع وتوظيف النقاط المكتسبة خلال عام التخدير، بتعبير سعيد الشهابي، لحمايته والتنظير له. وانطلاقا من هذه المحطة التاريخية، نستطيع أن نعدِّد الوجوه القبيحة التي ظهر بها النظام، وأثبتت من خلالها نواياه الخبيثة وسوء مخبوءاته تجاه ما يُعرف محليا بالملفات الساخنة.
3
تتابع الأحداث كان سريعا، فمع كلّ مناورة أمنية أو حصار إعلامي للنظام، كانت المعارضة تسعى، بما تملك من إمكانات، للتدافع وفتح الإضبارات، مستثمرة الوسائل المتاحة لها، وبالحجم الذي يُمسك الأوضاع من أنصافها. ومع أن الجهات المستنفعة من إفرازات العهد الجديد، استنفرت وهاجت ضد الخطاب المفتوح للمعارضة، وتذرّعت بجملة من التبريرات المتهافتة، إلا أنها لم تستطع أن تدفع بهذا الخطاب إلى الوراء أو تُشكّك في جدواه، خاصة وأن فضائح النظام ومؤسساته اللقيطة موّنت شعور المعارضة المتنامي، وعزّزت من الاتجاه السياسي الذي يعتمد البوح بأصل الأزمة السياسية في البحرين.
4
يرتبط الشيخ خلفية بن سلمان (رئيس حكومة البحرين منذ الاستقلال) بالكثير من المحطات المؤلمة في تاريخ البحرين الحديث والمعاصر. ففي 15 أغسطس/ آب 1971 حصلت "البحرين" على استقلالها، وتشكّلت أول حكومة برئاسة "الشيخ خليفة بن سلمان". في ذلك الوقت، كانت الأجواء منتعشة بحدث الاستقلال والإعداد لنظام دستوري واعد، ولم يدر في خلد المواطنين بأن الاستعمار خلّف تركة ثقيلة من ثقافة القمع والاستبداد، وقد استأمنها الحكم الخليفي وحافظ عليها عبر الأجيال. كان اسم "الشيخ خليفة" مرتبطا بحلّ المجلس الوطني، وفور عودته من سفرة طويلة خارج البلاد، أعدّ خطة إجهاض تجربة الحكم الدستوري الوليدة توّا. وابتداءً من هذه المحطة، تشكلت أبشع الحقب المظلمة في تاريخ البحرين، وكان الشيخ خليفة بطلها الأوحد بلا منازع. وبهذا المعنى، أضحى رئيس الوزراء رمزا "أسطوريا" في انتهاك الحقوق وحياكة المؤامرات.
5
يسود المجتمع السياسي البحريني نقاش مُضمر، محوره الرجل الذي يُوصف بأنه راعي الحرس القديم وجنرالاته. فرئيس الحكومة (طويل العمر) كان ولا يزال مورداً لكلّ الجدال السياسي، والنميمة السياسية التي يتبادلها السياسيون وقادة الحراكات المطلبية في البحرين. وقد كان من باب "المنطق الأرسطي" أنْ يتطوّر الشعار السياسي لدى بعض الأجنحة السياسية المعارضة إلى حدِّ الإعلان عن ضرورة تنحي الشيخ خليفة بن سلمان، وإسدال الستار نهائياً عن تاريخه "القياسي" المتربّع على كرسي الحكومة/العائلة الحاكمة. وكانت ندوة "بقاء أنظمة الحكم في الخليج و موجة الديمقراطية القادمة" في مأتم كرباباد (28/05/2003) إيذاناً "رسمياً" بإطلاق هذا الإعلان وتحويله، سيكولوجياً، إلى مفردة "استهلاكية" في الخطاب السياسي المُعارض. إلا أنّه ليس من العسير، أن نكتشف أنّ قِوى المعارضة الرئيسية في الداخل، والتي تنتهج المعارضة على طريقة "الجمعيات"، لم تذهب بعيداً في تبني هذا الشعار، وظلتْ معتمدة على "اغتياب" خليفة بن سلمان، والاكتفاء بنقدٍ عموميٍّ للحكومة في العلن انطلاقاً من الملفات العالقة والتي تُحاط بتحريمات رمزية معينة.
6
ما الذي يمثله "خليفة بن سلمان" في الوجدان الشعبي البحريني؟
إنه رمز لحقبةٍ سوداء لازالت تُطل على المشهد الحالي من خلال رعايته لأعمدة الحرس القديم. ولا يمكن التفكيك بين ماضٍ مليء بالجراح والأزمات، وبين صُنّاعه الذين لا يزالون يحكمون. من هنا يبقى هذا الرجل متهماً على الدوام في مخيلة الناس، وحتى بالنسبة للبلورة الجديدة التي صاغها الشيخ حمد تحت عنوان "الإصلاح"، فإنّ البقاع السوداء فيها تظل تُنسب إلى الشيخ خليفة، ولا يحتاج الناس إلى إرهاق أنفسهم بإيراد الأدلة والبراهين التي تُثبت ذلك.
7
ولكن.. إلى أيّ مدى يمثّل الشيخ خليفة بن سلمان رغبة أميركية؟ وهل تستطيع سياسات الشيخ حمد الرامية إلى الترقيع و"خياطة" الأثواب البالية؛ أنْ تشفع له طويلاً ليُسوّق في المنطقة بوصفه "نموذجاً ديمقراطياً" يُحتذى، أعني نموذجاً أميركياً للديمقراطية القادمة؟ وهل ستقوى "اليد الأميركية" التي أطلّت على البحرين من خلال نوافذ البحوث والمؤتمرات؛ أنْ ترسم الخارطة الجديدة للمعارضة، وتدفع بها إلى دائرة النظام والسقف "الديمقراطي" المرضي عنه أميركياً؟.. وقبل ذلك وبعده.. هل سيظل شعب البحرين يعتاش على صراعه الداخلي الغاضب على رئيس الوزراء، ويبقى رأسماله الوجداني محموماً وهموماً من هذا الرجل، ويقف الحدّ عند ذلك، أي أنْ يمارس عادته الأثيرة في النياحة السياسية، والاغتياب الساخن للرجل الحديدي، دون أن يُتاح له إيجاد إطار سياسيٍّ مُعارض يعكس هذه الغضبة الوجدانية على هيئة برامج سياسية واضحة، تستهدف على إسقاط الحكومة سياسياً، وإزاحة الشيخ خليفة منها باعتباره المسئول المباشر عن فشل سياسات التنمية الاقتصادية والبشرية وملفات الفساد والتعذيب الكبرى؟!
8
لجوء نظام الحكم مؤخرا إلى مزيدٍ من سياسات الالتفاف والهياج الإعلامي الضاغط، هو دليل على ضعفه وتخبطه وسوء تقديراته، وهو المؤشر الأقوى على تحلل النظام وهشاشته، وافتقاده للمكوِّن الداخلي والضمان الطبيعي للبقاء والاستمرار. وقبل ذلك، فإنّ سنن الكون لا تتلاقى مع أنظمة الاستبداد، ولا يمكن أن تتحوّل هذه الأنظمة إلى أنماط طبيعية لفترة طويلة، ولذلك فإن تداعيها وسقوطها أمر حتمي، والإسراع بهذا المآل مرهون بالحراك الخارجي وبتوازنات الضعف والقوة التي لا تستقر عند ميزان واحد ونهائي. وعلى هذا النحو، فإن بروز مفردة "تنحية" الشيخ خليفة بمعية المطالبة بمحاكمته، يتجاذب إيجابياً مع أي ملفٍ عالق تشتغل عليه المعارضة، وهو ما يُنمّي من استقرار الرأي السياسي الذي يُشدِّد على حسم العلاقة مع وجوه النظام البارزة، واختصار الطريق أمام الجميع. وإلى جانب ذلك، فإنّ ميكانيزم الوضع الدولي، والمناخ المتبلِّد الذي يحكم العلاقات الخارجية للدول، يُقوِّي هذا الخطاب ويمنحه عناصر تأييد إضافية.
9
نعم، يمكن تنحية رئيس الوزراء، والمطالبة بمحاكمته! والتجارب السابقة خلال العامين الماضيين، قدّمت أهم ثوابت هذه العقيدة السياسية وحتمياتها، وليس أمام هذه الطريق إلا بضع خطوات. فبعد تأكُّد الربط بين رئيس الحكومة وملفات الفساد والانتهاكات، والتيقّن من خواء شعار "الإصلاح الديمقراطي" وتفتته حينما يتعلق الأمر بتابوهات الحكم (القتلة والجلادون، امتيازات العائلة الخليفية، التجنيس السياسي..)، فإن الاستعجال مناط بقِوى المعارضة الأساسية، وإيرادها العلني ودون تورية لمفهوم "التنحية" (أو مرادفاتها!) بوصفه مقدمة طبيعية ولا مناص منها لتدشين حكم دستوري حقيقي قائم على مفهوم التداول السلمي للسلطة، والفصل التام بين المُلك والحُكم. وعدى ذلك، فإننا ارتضينا تأبيد الأزمة، والغرْف من إناء فارغ
الاربعاء, 04 يونيو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










