شعبٌ منقسم:
البحرين، أصغر دول مجلس التعاون الخليجي- تعدادها 700,000 نسمة- يعتبر مجتمعها الأكثر تعقيدا وطبقية من بين دول الخليج. يعود ذلك جزئيا إلى أصول قادتها، الذين ليسوا كبقية العوائل الحاكمة في الخليج ولكنهم أقرب إلى آل سعود في جارتهم العربية السعودية، جاءوا إلى السلطة عن طريق التحالفات القبلية والإخضاع. قادمة من قطر وبمساعدة حلفاء من قبائل من وسط الجزيرة العربية، غزت قبيلة آل خليفة البحرين في القرن الثامن عشر فأطاحت بحكومتها الفارسية آنذاك وحكمت البلاد إلى هذا اليوم 1.
يأتي ضمن السلم الاجتماعي/السياسي، مباشرة بعد آل خليفة وقبائلهم السنية، عوائل سنية أخرى من أصول قبلية ثم "الهولة" (وهم عوائل هاجرت إلى البحرين من الساحل الإيراني ولكنهم يدّعون الأصول السنية والعربية. "البحارنة"، وهم الشيعة العرب الأصليون، يشكلون الطبقة الخامسة والكبرى، ثم الإيرانيون –سنة وشيعة- الذين هم في أسفل الهرم الاجتماعي والسياسي.
يلاحظ بجلاء تداخل الانقسامات الاجتماعية والطائفية ولاسيما لدى الشيعة – المقدرون بنسبة 70% من تعداد السكان الأصليين- المستثنون من المراكز الحكومية العليا. غير البحرينيين يمثلون حوالي 290,000 (40% من السكان)2، غالبيتهم -213,000 بحسب احصائية 2001م- موظفون وييمثلون 64% من مجموع القوى العاملة3.
أ: موروثات التوتر السياسي
حتى في فترة ما قبل الاستقلال، كانت عائلة آل خليفة الحاكمة -وبحماية البريطانيين- تلعب دورا سياسيا و اقتصاديا مهيمنا4. ما بين العام 1961 والعالم 1999، انحصرت السياسة الداخلية كل من الأمير السابق الشيخ عليسى بن سلمان وأخيه الشيخ خليفة بن سلمان، الذي لازال رئيسا للوزراء. في أواخر الستينات وبداية السبعينات، عندما ووجهت العائلة بمعارضة تتسم بتمايزات طبقية وأيديولوجية واضحة، لجأ آل خليفة إلى إضفاء الشرعية لممارساتهم فدعوا إلى تشكيل مجلس أوكلت إليه مهمة كتابة دستور متوافق مع مجلس وطني شبه منتخب مع صلاحيات تشريعية محدودة. تم الإًعلان عن ذلك الدستور في يونيو العام 1973م وأًجريت الانتخابات في بدايات ديسمبر5 من ذلك العام. كانت تلك التجربة قصيرة ولكن النشاط السياسي استمر ضمن جبهة عريضة، من تيارات تقدمية ومحافظة على حد سواء.
استطاع قادة العمال من تنظيم عدد من الاضرابات6، وردا على ذلك فرضت العائلة الحاكمة في العام 1975 إجراءات امنية ذات نطاق واسع سمح للحكومة باعتقال وتوقيف أي شخص يشتبه فيه بممارسة آراءه أو التعبير عنها "والتي تحمل طابعا يعد مخالفة لأمن البلاد الداخلي والخارجي"7. أعضاء المجلس المنتخبون ، الذين اختلفوا على قضايا عديدة، كانوا متحدين في الاعتراض على هذه الإجراءات. و أصروا على أن تعرض عليهم لنيل الموافقة. في أغسطس 1975م حل الأمير المجلس، والتفافا على الدستور قام برفض إجراء انتخابات جديدة خلال شهرين. وبقت هذه نقطة مفصلية أثرت في سوء العلاقة بين النظام والمعارضة، وبنظر الكثيرين، فإن الحكومة تعمل بشكل غير قانوني منذ أكتوبر 1975م. الامتعاض من النظام السياسي في التسعينات والإحباطات من التباين الاجتماعي أنتجا صراعا عنيفا بين قوات الأمن والنشطاء لنصف عقد من الزمن.
ب: انتفاضة في البحرين
في أواخر 1994م بدأت الصدامات والاضطرابات انطلاقا من القرى الشيعية خارج العاصمة المنامة8. جذور المشاكل كانت متعددة منها: الاستبداد السياسي الواسع، غياب الحقوق الأساسية المدنية والسياسية، التمييز الشامل ضد الشيعة، والفساد والتمايز لصالح العائلة الحاكمة والمقربين لها، وجود جهاز أمن قمعي غالبية منتسبيه من الأجانب والركود الاقتصادي. شكل الشيعة كتلة المعارضين، على الرغم من أن السنة تبنوا هدف العودة لدستور 1973م وانتخابات المجلس الوطني وساعدوا أيضا في تنظيم العريضة المطالبة بالإصلاحات التي وقعها عشرات الألوف9.
كان رد الحكومة عنيفا، حيث تم إيقاف عشرات الآلاف من المتظاهرين ونفي قادة المعارضة وخاصة من المجموعات ا لمناضلة خارج البلاد وأبرزها حركة أحرار البحرين الإسلامية في لندن، والجبهة الإسلامية لتحرير البحرين- وقاعدتها إيران 10).
فشهدت عدة سنوات لاحقة مسلسلات من تصعيد عنف وقمع شملت حرق الإطارات ورشق الشرطة بالحجارة واستخدام اسطوانات الغاز، المستخدمة للطبخ، كقنابل لشد الإنتباه. قلت وتيرة العنف ولكنها استمرت لغاية عام 1999م. أكثر المواجهات المميتة وقعت في بدايات مارس 1997م عندما قتل خمسة عمال بنغاليين في انفجار بمطعم11.
قام رجال الأمن، غالبيتهم من المنطقة البلوشية في باكستان، ومسئوليهم من الأردن وبعض الدول العربية الأخرى، بتطويق القرى واقتحام بيوت المعروفين من الناشطين واعتقال آلاف البحرينيين وتعذيبهم 12.
لم تثمر المفاوضات التي كانت قائمة بين المعارضة والسلطة حيث اعتقلت الأخيرة أبرز رموزها كالشيخ عبد الأمير الجمري وعبد الوهاب حسين. وكان مصير الذين وقعوا العريضة الإصلاحية، سواء كانوا من الشيعة أو السنة، عقوبات تتراوح بين المضايقات ومنع التوظيف والتوقيف وسوء المعاملة. عدد كبير من البحرينيين لازالوا يعانون اليوم من آثار سوء المعاملات تلك، وبخاصة الشيعة حيث كانت الاعتقالات والمضايقات والتعذيب ضمن حياتهم اليومية. يبقى هناك قناعة قليلة بأن المعاناة السابقة قد توقفت13.
ج: مؤشرات انهيار مرتقب
تصاعدت حدة الصراع بين الحكومة ومعارضيها خلال العام 2004م لتربك فترة من الهدوء النسبي14. مؤشرات الإحباط مع الحكومة تزايدت وبدت بعض علامات شبيهة لما قبل الانتفاضة في منتصف التسعينات. أستمرت أغلب النشاطات المعارضة بسلميتها كما أصر رموز المعارضة على الاعتراض السلمي. ومع ذلك، أخذت بعض الحركات غير العنيفة تتسم بالتزايد في الصرامة كتقديم العرائض وعقد ندوات علينة تتحدي مواقف الحكومة، أو تنظيم مظاهرات شعبية15. وبدورها لجأت قوات الأمن إلى انتهاج وسائل تتسم بالخشونة.
أكثر الحلقات إطالة وإثارة ظهرت للعيان في سبتمبر وأكتوبر عام 2004م. ففي 25 سبتمبر أعتُقل16 الناشط الحقوقي البارز عبد الهادي الخواجة، بعد يوم من انتقاده لرئيس الوزراء الذي يصمه الكثيرون بالفساد والهيمنة. لأسابيع تلت دعا مؤيدو عبد الهادي إلى تظاهرات بلغت 3000 إلى 4000 شخص17.
حوادث كثيرة تحولت إلى العنف من بينها الاعتداء على الشرطة واستخدمت خلالها زجاجات "المولوتوف" في مسيرة خرجت من مسجد شيعي في شارع القصر المزدحم بالمنامة18 . في 20 أكتوبر ضمن مسيرة احتجاج ضمت 100 شخص أغلبهم من شباب صغار من قرية مجاورة تم رشق الشرطة بالحجارة ومحاولة اقتحام قاعة إحدى المحاكم في المنامة، فردت الشرطة بالقنابل المسيلة للدموع. بعد 9 أيام وفي مظاهرة أخرى عارمة استخدمت الشرطة الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.
قال أحد المنظمين للمسيرات بأنه من الصعب السيطرة على المتظاهرين وهم في أوج انفعالهم19 . في زيارة لنا إلى قرية ستره، تلك الأحياء السكنية الفقيرة الضيقة لـ 65,000 مواطن، أحدهم قال للمنظمة الدولية للأزمات: "نحن نرغب في الحصول على التغيير سلميا، ولكن لو تطلب الأمر العنف فنحن مستعدون لدفع ضريبة الدم 20 ".
هذا الإحساس لمسناه في العشرات من المقابلات التي أجريناها في القرى الفقيرة وغيرها وهذه فكرة منتشرة على نطاق واسع هناك ومن يؤمنون بها يتوقعون تطبيقها وان كانوا لا يفضلون الاضطراب.
في الوقت ذاته ساور المراقبين المقيمين القلق بحدوث أزمة. أحدهم علق بأن " قضية الخواجه كادت أن تصعد الأمور إلى الذروة21 "، حتى أن الخوف تسرب إلى زعماء المعارضة أيضا. في أكتوبر 2004م قام عدد من زعماء المعارضة بزيارة القرى الشيعية بغرض دعوة المتطرفين للإحجام عن العنف22 . في حين تم تفادي جحيم أكبر أخيرا، فان مكونات الصراع الخطير مازالت موجودة حيث أن القضايا والمسببات الأساسية لم تزل قائمة.
لقد أبلغ الخواجه المنظمة الدولية للأزمات بأن هدفه من الكلمة كان من أجل إثارة ردة فعل قوية. "الأزمات تقود إلى الحلول أحيانا"، "كنا نفكر في أزمة سلمية تقود بنا إلى التغيير23".
ولو انه هو و زملاءه أدانوا اسلوب العنف لدى بعض مؤيديهم فانه أيضا يؤمن بأنه لا يمكن للتظلمات السياسية والاجتماعية أن تُسمع إلا عبر المواجهة وأن بها يُحدث الرنين. وفي الوقت ذاته اتجهت الحكومة إلى استخدام أساليب أكثر مواجهة، وزيادة وقود تأجيج المظالم والذي بدوره دفع بالناس إلى الشوارع في المقام الأول.
خلال فبراير ومارس 2005م تكررت الاستفزازات أكثر من قِبل المعارضة و الحكومة على حد سواء. فقد ققامت قوات الأمن بالقبض على 3 أشخاص، قائمين على مواقع الكترونية، بادعاء بث كلمات تحرض للكراهية في صفحتهم الإلكترونية. بعدها مباشرة خرجت مجموعات صغيرة ولكنها متحمسة24 . في بدايات مارس خرج ما يربو على 3000 متظاهر وطالبوا بإجراءات لحل أزمة البطالة وتحسين الأوضاع الاقتصادية/الاجتماعية25 .
ردت الحكومة بتحذير المواطنين بعدم التحريض للاضطرابات وإثارة القلق الطائفي، وهو اعتراف ضمني بأن الاضطهاد الاقتصادي والمشاكل الطائفية يشتركان26، كذلك حذرت من إلقاء الخطب الداعية إلى الإثارة وكراهية الحكومة والتي تزعم بأنها حدثت خلال مناسبات العزاء الشيعية بعاشوراء في فبراير.
في 25 مارس 2005م وبالتحديد اسبوع واحد قبل أن تستضيف البحرين آلاف من مشجعي سباق "الفورمولا واحد" للسيارات، "جمعية الوفاق الوطني الإسلامية"، الجمعية الشيعية الرئيسة في الجزيرة، تحدت منع الحكومة ودعت إلى مسيرة عارمة في سترة تطالب فيها بإصلاح دستوري. عشرات الألوف خرجت تحديا لأوامر الحكومة27، وقد هدد وزير الداخلية بإجراءات قانونية ضد الجمعية مهددا بالإغلاق المؤقت، وربما الدائم للجمعية أيضا28. قادة المعارضة أعربوا للمنظمة الدولية للأزمات عن قلقهم من اقدام الحكومة على اعتقال أعضاء الجمعية29.
لقد أضافت السمة الطائفية زيادة في تأطيرالوضع القابل للإنفجار. وكان نتيجة اعتقال الخواجة ابرازه كنجم شيعي، حيث رأى شيعة البحرين في الأمر تهديدا لهم ولمصالحهم. تفاصيل هذا التوتر وبالخصوص لجوء بعض الجماعات الشيعية إلى أساليب هجومية وتشير الى طبيعة السيطرة الضعيفة لبعض القادة المعتدلين على المجتمع المنهك. أحد قياديي المعارضة الدكتور عبد العزيز أبل شدد على أن" الماء يغلي وأن الناشطين الشيعة قد نفذ صبرهم" مهددةً المعتدلين كالشيخ علي سلمان رئيس جمعية الوفاق الوطني الاسلامية30 .
رجل الدين الشيخ عيسى قاسم وحسن المشيمع، سجين سابق ونائب رئيس "الوفاق"، حذّرا من حدوث انهيار في صفوف المعارضة المعتدلة سواء بضغط من الحكومة أو من القواعد الشعبية بحيث يؤول إلى خروج جماعات أكثر تطرفا أو يرغم حتى القوى المعتدلة إلى تصعيد في نهجهم31 .










