منع حكومي من مناقشة التجنيس
تسير عملية التجنيس بسرعة وخفاء يقارنها وضع المجنسين المرتزقة في مناطق جنوب البلد محروم على المواطنين دخولها, وفي جزر حوار قبل حسم محكمة العدل الدولية ملكيتها للبحرين وليس في هذه الجزر بحرينيين, وإلى مناطق أبناء السنة الذين تبرموا من سلوكياتهم حتى أخرجوهم من بعضها، ودأبت السلطات المختصة في البحرين بكل طريقة وحيلة على نفي وجود سياسة تجنيس واسعة لجماعات كبيرة من مختلف الجنسيات وخاصة الأردنيين والسوريين واليمنيين والباكستانيين، وقد تجلى هذا النفي في تصريحات مسؤولين في وزارة الداخلية البحرينية، وعرضت الحكومة أرقاما رمزية حول التجنيس غير صحيحة وإحصائيات مزيفة ومزورة وليست من الحقيقة في شيء وينقصها الدليل وتعتبر نوع استغفال للشعب، ولم تأتي إلا بعد موجة الاحتجاج على سياستها في التجنيس كنوع من تهدئة الخواطر التي قد تفشل مخططاتها.
وأصدر وزير الأعلام نبيل الحمر الذي يعتبر لدى أطراف المعارضة أبرز الوزراء الفاشلين وقد قضى الشطر الأكبر من حياته عنصرا متقدما في صفوف ممتهني الشتم والكلام البذيء أوامر وصفت بأنها صارمة بعدم مناقشة القضايا السياسية في تلفزيون البحرين ! وقال " كفانا سياسة " ودعا إلى الاهتمام فقط بالبرامج الترفيهية والفنية من غناء وطرب وغيرها, وكان بعض المواطنين قد شارك في برامج تلفزيونية حية ومباشرة بالهاتف منتقدا سياسة التجنيس السلطوي, وذكرت مصادر بحرينية نقلا عن مصادر مطلعة أن الوزير أصدر أوامره بوقف عرض بعض الحلقات التي سجلت ضمن برنامج "استكمالا للحوار " بعد أن ناقشت الحلقة الأخيرة منه التي بثها التلفزيون " تجربة الديمقراطية في البحرين " التي أغضبته كثيرا وجعلته يصدر أوامره بعدم إجراء حوارات كانت مقررة سلفا مع القطاع النسائي، وكذلك العديد من البرامج الحوارية التي تناقش قضايا الشأن العام.وأصدر الوزير أوامر للجريدتين الرسميتين المحليتين برفض نشر مقالات بعث بها المواطنون تتطرق للقضايا المهمة التي تواجه شعب البحرين وفي مقدمتها تجنيس الأجانب والمرتزقة وموضوع البطالة, وقد التزمت الجريدتين بأوامره وذكرت جريدة أخبار الخليج في أحد أعمدتها الغبية أنّ كل ما يصدر من وزير الأعلام إنما هو توجه القيادة السياسية في البلد.
ويمارس النظام التهديد والقمع ضد من يتطرق لقضية التجنيس وكمثال فقد حضر رئيس إحدى المطبوعات ندوة عامة حول التجنيس ونشر تقريرا حولها قائلا أن ما سمعه في الندوة كان قويا، وانه لو قيل قبل الإصلاحات لكان مصير قائله السجن، وبعد يومين اتصل به مسئول كبير محذرا إياه من مغبة الاستمرار في ذلك النمط من التقييم وإلا تعرض للسجن ووقف مطبوعته (12)، ولا نعلم أية شفافية وصراحة تدعى في الوقت الذي يمنع الحكم الصحافة والتلفزيون من نشر أية تحقيقات أو مقابلات أو ندوات تتعلق بقضية مصيرية كالتجنيس.
وفي شهر مارس 2002 حجبت السلطات عدة مواقع بحرينية لشبكة الإنترنت كانت توفر مجالا واسعا لطرح موضوع التجنيس وردود فعل المواطنين عليه وفضح سياسة التجنيس والتمييز الطائفي وكثير منها ترفضها الصحافة الرسمية المحلية.
والحقيقة التي تبدو لي أنّ سياسة التجنيس غير واضحة حتى عند المقربين للحكم مع إصرار الحكم على تغيير التركيبة السكانية بطرق متعددة عمادها التجنيس, فلا يصدر بيانا أو مقالا أو موقفا صريحا من قبل النظام في البحرين لشرح حقيقة ما يجري من تجنيس, وقد عجزت السلطة في التعامل الصحيح مع هذه القضية، وارتكزت سياستها على تجاهل المخاوف الشعبية واعتراضاتها على التجنيس, والشخص الذي أحيل إليه الحديث في التجنيس هو وكيل وزارة الداخلية للهجرة والجوازات وأدعى أنّ عملية التجنيس في الآونة الأخيرة تسارعت لحسم ملفات الذين لم يحصلوا بعد على الجنسية (13), لكنه رفض مطالب المعارضة بالشفافية التي تتطلب نشر أسماء الذين يتم تجنيسهم ومبررات ذلك التجنيس, واتهم المعارضة بالطائفية برغم أن شعب البحرين بشيعته وسنته يرفضون التجنيس السياسي.
ومنع الحاكم حمد آل خليفة أي مجال للحوار والنقاش حول مسألة التجنيس بل نسب إلى الحاكم نفسه تصريحا لمجموعة من اليساريين أنّ ملف التجنيس غير قابل للنقاش وكذلك ملف محاسبة المسؤولين والفساد الإداري وأبدى تخوفه من تزايد سكان القرى الشيعية، وتم إصدار أوامر من القيادة السياسية في البلد بمنع أعضاء لجنة تفعيل "الميثاق" من الخوض في موضوع التجنيس. وتأكد أنّ كلمة " الشفافية " التي يتم التشدق بها النظام في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة ليست إلا مادة للاستهلاك المحلي، وأصبحت الأقلام الحكومية في الصحافة تتهم من يتحدث عن موضوع التجنيس في ندوة أو منتدى إنترنت بالطائفية والمذهبية، وصار النظام يتذرع بتهمة الطائفية لتبرير مصادرة الحريات، حتى إذا ضاق على السلطة الرأي الآخر والمطروح بموضوعية وعلمية في غالبية مواد مواقع الإنترنت تم إغلاقها بتبريرات جاهزة، دون أن يسمح لأحد أن يشير إلى التركيبة الطائفية لأجهزة الدولة ومؤسساتها.
هوامش الفصل السادس
(1) - مقطع من حديث الشيخ الجمري حول التجنيس من خطبة يوم الجمعة 1/7/2001
مسألة التجنيس والجنسية البحرينية:
هذا الملف هام وحساس ففي الأشهر الأخيرة سمعنا الكثير عن هذا الموضوع وتوقفت بدايةً عن الخوض فيه بحجة أنها إشاعات تفتقد الدليل، ثم حصل لي بعض الاطمئنان في البعض منها وقلنا جزئيات لا ترقى لمستوى القضية، إلى أن طرحت جريدة الشرق الأوسط السعودية في عددها 8198 الصادر بتاريخ 9/5/2001م القضية، فكانت لنا هذه الوقفة مع الموضوع استناداً للجريدة نفسها والتي ذكرت ما نصه:
"أكد مصدر بحريني مسئول أن تجمعاً هائلاً من اليمنيين المقيمين في دول الخليج العربي قدموا إلى البحرين عبر المطار وجسر الملك فهد مصطحبين معهم عدداً هائلاً من الجوازات وصور الإقامة لأقاربهم وأصحابهم".
وقال هذا المصدر أن هؤلاء جاءوا مستندين لمعلومات غير صحيحة وأن طلباتهم رفضت لعدم مطابقتها للشروط وهو أن يكون المتقدم مقيماً في البحرين إقامة مستمرة لمدة 15 عاماً إلا أن هذا المصدر نفسه عاد وأكّد أن عدداً من اليمنيين حصلوا بالفعل على الجنسية البحرينية لاستكمالهم الشروط لكنه لم يحدد العدد.
ولي حول هذا الخبر عدة استفسارات أرفعها إلى المسئولين في إدارة الهجرة والجوازات أرجو أن تتسع صدورهم لذلك:
1- هل من المعقول أن يأتي هذا العدد الهائل إلى مطار البحرين استناداً فقط لخبر غير صحيح ؟!
2- لماذا لم يحدد المصدر عدد الأخوة اليمنيين الذين تم تجنيسهم لاستيفائهم الشروط المطلوبة؟ وهل حقاً أن ذلك طُبِق على الجميع؟ خصوصاً أن الجريدة أشارت إلى أن أحد اليمنيين المقيمين في السعودية لمدة 25 عاماً قد تقدم للجنسية وحصل على رقم للمراجعة؟!
3- لماذا لم تتكرم إدارة الهجرة والجوازات بنفي الموضوع أو تأكيده في صحفنا المحلية خصوصاً ونحن نعيش عصر الشفافية والمصارحة كما أكّد عليها "الميثاق" الوطني والدستور؟!
أرجو أن تكون هذه الأخبار فعلاً غير صحيحة ولكن يساورنا قلق خصوصاً وان ملف عديمي الجنسية والذين يقدر عددهم رسمياً بأكثر من سبعة آلاف لم يُحل بعد رغم توجيهات القيادة السياسية وعلى رأسها صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله تعالى مع العلم أن هؤلاء "عديمي الجنسية" كلهم مولودون في البحرين أباً عن جد فلماذا التأخير ؟!
لقد طرحت هذه القضية ضمن عدد من القضايا في اجتماعي الأخير مع سمو الأمير، وأشرت إلى بطء الإنجاز رغم كثرة مراجعة أسر عديمي الجنسية خصوصاً أولئك الذين مازالوا يعيشون في الخارج أمريكا وإيران. أتصور أن هذه القضية تحتاج لقرار شجاع يحمل صفة الطوارئ لحلها.
(2) – مقطع من حديث الجمعة 13/7/2001 للشيخ الجمري:
وهنا أشكر وكيل وزارة الداخلية لشئون الهجرة والجوازات بما تفضّل به في حديثه من ذكر بعض الأرقام حول موضوع التجنيس في يوم السبت (7 يوليو الفائت), فبغض النظر عن الاتفاق معه في تلك الأرقام، إلا أن ذلك يعتبر الخطوة الأولى الصحيحة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش، فلا يجوز إطلاقاً ونحن نعيش عصر الشفافية أن تلتزم الوزارة الصمت في موضوع بات هو الشغل الشاغل للناس.
وأقول: الخطوة الأولى لأن هناك بعض الاستفسارات والأسئلة وردت بعد المقابلة بفضل الإجابة عليها لتكتمل الصورة وينغلق الباب.
وأقول: الخطوة الأولى لأنه من الأفضل أن تتعامل الوزارة مع هذا الملف بشيء من الشفافية على غرار ما فعلت وزارة العمل مع قضية العاطلين من مقابلات ولقاءات تلفزيونية وصحفية.
(3) - قناة ANN الفضائية, برنامج حديث الخليج, حول ازدواج الجنسية في البحرين, تاريخ 22/6/ 2002, مداخلة علي ربيعة.
(4) - almosleh، ملتقى البحرين الالكتروني، تاريخ 4/7/2001
(5) - جريدة الوطن الكويتية, تاريخ 22/6/2002
(6) - جريدة أخبار الخليج البحرينية الحكومية, تاريخ 18/7/2002
(7) - جريدة أخبار الخليج البحرينية الحكومية, تاريخ 27/4/2002
(8) - جريدة الوطن الكويتية, تاريخ 8/7/2001, جريدة الأيام الحكومية البحرينية, تاريخ 7/7/2001
(9) - جريدة أخبار الخليج البحرينية الحكومية 27/4/2002
(10) - ملتقى البحرين الالكتروني, تاريخ 7/7/2002 نقلا عن جريدة أخبار الخليج البحرينية الحكومية تاريخ 7/7/2002
(11) - جريدة الشرق القطرية, تاريخ 28/4/2002
(12) - صوت البحرين, مقال " عام علي الميثاق البحريني: إذا اُنتهك الدستور انتهي الإصلاح", د. سعيد الشهابي (13 فبراير 2002)
(13) - جريدة أخبار الخليج البحرينية الحكومية 18/7/2001
الفصل السابع
آثار التجنيس
آثار التجنيس
لقد ضاعفت سياسة التجنيس المشاكل المزمنة التي تعاني منها البلد أساسا فالبطالة ازدادت أضعافا, وازداد الضغط على الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين كالصحة والإسكان والتعليم التي كانت تعاني في الأصل من الكثير من الصعوبات وليست بالجودة التي عليها دول الخليج الأخرى وقد تصل البلد إلى حالة من الانفجار السكاني مستقبلا حيث هي الآن الأكثر كثافة في الشرق الأوسط, ولها آثار كبيرة على المستوى الاقتصادي ودخل الفرد البحريني الذي يعاني أساسا من خلل وضعف, وبدأت تتغير هوية أبناء البلد وثقافتهم الشعبية وازدادت المشكلات الاجتماعية والانحرافات السلوكية وتفشت ظاهرة الجريمة التي لم تكن سائدة في المجتمع البحريني أو كانت نادرة الحدوث وارتفعت نسبة الأمية بعد أن حققت البحرين إنجازا كبيرا في خفضها إلى أدنى المستويات, وتغيرت نسبة التركيبة السكانية, إلى غير ذلك من الآثار والتي سوف نطرح بعضها ونحاول أن نقرأ المستقبل على ضوء المتغيرات الاجتماعية والآثار.
البطالة
ساهم التجنيس في ازدياد مشكلة البطالة التي تعاني منها البحرين بدرجة كبيرة وزاد في تعقيداتها, فعملية التجنيس وبالصورة التي تمت في العقد الأخير وبأعداد كبيرة جداً أغلقت مساحات من الوظائف التي من المفترض أن يتولاها أبناء الوطن البحرينيين وقد أعطاها النظام للأجنبي وحرم منها المواطنين, وأدى ذلك إلى وصول البطالة في البلد الصغير إلى أرقام قياسية بسبب احتلال الأجنبي وظائف أبناء البلد واتضحت مدى الأضرار البليغة التي يرميها التجنيس على البطالة وتحصيل الأرزاق. فعدد العاطلين عن العمل في ازدياد مضطرد وقد ارتفع نهاية العام 2001 إلى رقم قياسي ليبلغ 17400 حسب الإحصائيات الحكومية التي لا تخلو من تزوير وأكد أعضاء في مجلس الشورى الحكومي المعين أن عدد العاطلين يتراوح بين عشرين وثلاثين ألفا بينما يقول بعض المواطنين أنها أكثر من ذلك العدد بكثير, وذُكر أنّ 181 ألف إلى 200 ألف أجنبي معظمهم من شبه القارة الهندية والفلبين يعملون في البحرين ويمثل العمال الأجانب حوالي 60% من إجمالي القوى العاملة في البحرين.
ومن الفوائد الرئيسية للتجنيس التي يرمي لها الحكم هي محاولة إنهاء قدرة الشعب على القيام بأي معارضة سياسية فاعلة للنظام، ومنع تكرر تجربة الانتفاضات السابقات طوال القرن الماضي فالحكم اتخذ قرارا استراتيجيا بعدم السماح للعمال البحرينيين بالهيمنة على سوق العمل ولذا تنتهج الدولة سياسة إغراق السوق المحلية بالعمالة الأجنبية التي أصبحت تمثل أكثر من ثلثي العمالة الكلية، وأصبح من الصعب عمليا القيام بإضراب عمالي فاعل نظرا للنسبة الضئيلة التي يمثلها العمال البحرينيون في السوق, وأن إحلال 20 ألفا من المواطنين محل عدد مماثل من الأجانب الذين يبلغ عددهم مائتي ألف لا يحتاج إلا إلى قرار سياسي وتنفيذه والمشكلة أنّ قرارا مثل هذا لا ينسجم مع استراتيجية الحكم في البحرين التي تتعمد الحفاظ على نسبة عمال بحرينية منخفضة مقارنة بالعمال الأجانب وجعلهم أقلية في سوق العمل, ولكن هذه السياسة العرجاء التي تمارس في البحرين قد واجهت الفشل في عدة دول, فالنظام العراقي الذي هو النسخة الأصل لسياسة الحكم في البحرين حاول فرض تجنيس المصريين وإغراق العراق بالأيدي العاملة ووصل عددهم إلى أربعة ملايين مصري إلا إن ذلك ما كان ليحل أزمة النظام مع شعبه بل ساهم بشكل كبير في حالة الاحتقان السياسي ضد النظام, وتناسى النظام في البحرين انتفاضة عام 1994 التي ساهمت البطالة الوطنية وإغراق البلاد بالعمالة الأجنبية في تأجيجها.
أنّ ما تقوم به السلطة البحرينية من إجراءات ضد الشيعة في مسألة البطالة لا يفهم سوى أنّه حرب أرزاق من جانب النظام, والفكرة التي تعشعش في أذهان القائمين على الحكم ضرورة إضعاف الشيعة وتجريدهم من كل قوة, فبالإضافة إلى مضايقتهم في البحرين ومحاولة قطع أرزاقهم تصّدر تلك الإجراءات إلى دول المنطقة وتوصيهم بعدم تشغيل البحرينيين وإعطاءهم وظائف صغيرة في حال الاضطرار لتوظيفهم بل وتحديد الحد الأعلى للرواتب التي تعطى لهم أيضا كما حصل في توظيف المدرسين البحرانيين في الكويت قبل سنوات وكل العاملين البحرينيين في الخليج هم من الشيعة إلا ما نذر, كما أنّ البطالة في صفوف الشيعة فقط.و قامت السلطة بتضييّق الخناق على الشيعة في جميع الوظائف والمراكز, وأمرت أحمد عطية الله مدير مركز الإحصاء بعمل حصر لجميع الوظائف القيادية والتنفيذية القليلة التي يشغلها الشيعة في البلاد, وتمّ وضع برنامج تدريجي لشغل جميع الوظائف القيادية من قبل أبناء الطائفة السنية ووضعهم في المناصب العليا والمهمة وإعطائهم مسؤولية التوظيف وخاصة أولئك السنة الذين من أصول إيرانية أو ما يطلق عليهم في البحرين بـ "الهولة" وبدأت برامج تجنيس تدريجية لتغيير التركيبة الديموغرافية السكانية في البلاد.
ويصر النظام على إيجاد البطالة ففي الوقت نفسه الذي يعاني منه المعلمين البحرينيين من البطالة وقد بقى كثير منهم سنوات دون أن تقبله وزارة التربية والتعليم, وتوجد شكاوى كثيرة من جامعيين بحرينيين اشترطت عليهم الوزارة الحصول على دبلوم تربوي يؤهلهم لممارسة مهنة التدريس، وبعد دراستهم وحصولهم على الدبلوم لم يتم توظيفهم، وبقوا في صفوف العاطلين ينتظرون التوظيف العام بعد الآخر, ومعلمون آخرون يعملون في المطاعم والسياقة وفي محطات البترول لتحصيل الرزق, إنّ السلطات البحرينية تخشى من توظيف المدرسين البحرينيين, وتخشى من تأثير وانتقال شخصية المعلم البحريني إلى التلاميذ, ففي الوقت الذي يقوم به المدرسون البحرينيون العاطلون عن العمل باحتجاجات ومطالبات بالتوظيف يتم الإعلان عن رغبة الحكومة البحرينية في التعاقد مع المعلمين الأردنيين, ونشرت الصحافة الأردنية بتاريخ 9/5/2002 (1), وربما نشر مثله في دول أخرى ونحن لا نعلمه حول هذه الرغبة, ووصل إلى البحرين في بداية السنة الدراسية 200 معلم أردني للعمل في مختلف المراحل التعليمية في وزارة التربية والتعليم وفي مختلف التخصصات التربوية والتي منها اللغة العربية والإنجليزية وبأجور مرتفعة في الوقت التي تطحن فيه البطالة أكثر من 1000 خريج جامعي بحريني محروم من التوظيف وقد وزعت وزارة التربية المعلمين على عدد من الفنادق من الدرجة الثالثة والرابعة كفندق كارلتون، ومنامة تاور، وسان روك، لحين حصولهم على سكن دائم(2), فماذا يعني توظيف الأجانب في الوظائف التي يمكن للمواطنين القيام بها على أكمل وجه وفي أتم الإخلاص مع الكفاءة العالية؟ أليس من الصواب أن يحدس المواطنون أن تقوم السلطة بتجنيس هؤلاء الأردنيين المعلمين بعد مجيئهم, ومن المحتمل جدا أن يوزع هؤلاء المعلمون على مدارس أبناء المرتزقة الأردنيين والسوريين والأجانب لإبعاد الاتصال بين أبناء البحرين وأبناء المرتزقة خشية من معرفة أية معلومات عنهم يخرجها من صفة احتكار النظام لها. كما نشرت صحيفة الرياض السعودية في نفس الوقت خبر إرسال 41 مدرسا سعوديا للبحرين(3), وهكذا في بقية الوزارات والشركات يحرم البحريني من العمل ويقدم غيره ونحن نكتب هذه السطور وصلنا خبر بقيام شركة طيران الخليج بطرد الموظفين البحرينيين وتوظيف الأجانب من استراليا والهند وبريطانيا عوضا عنهم في بداية النصف الثاني من السنة الحالية 2002. وهكذا في جامعة البحرين حيث ترفض إدارة الجامعة توظيف عدد كبير من حملة شهادة الدكتوراه البحرينيين بينما تعلن في الصحافة الأجنبية عن وظائف شاغرة لأجانب فيها كما وتصر على استبعاد المؤهلين من البحرينيين من المناصب المتقدمة.
ونشرت شركة بابكو إعلانا للعمل في مجلة شهرية بريطانية والمطلوب كيميائي بطريقة توسلية وعجيبة وذكر في الإعلان أنّ المحفزات جدا ممتازة لعقد مدته سنتين قابلة للتجديد للمتزوج والأعزب, يقدم راتب مغري من غير أي ضرائب، مع قائمة من الامتيازات بما فيها سكن نصف مؤثث بخدماته (كهرباء ماء غاز الخ) مجاني، دراسة ابتدائية مجانية ومساعدة جدا كريمة للدراسة الثانوية للأبناء، عطلة سنوية مدفوعة الراتب للوطن مع ترتيبات كريمة جدا للسفر، وتجهيزات ممتازة للاستجمام وللحياة الاجتماعية, فهل هذا إعلان لطلب وظيفة؟ وهل تعطى للبحريني إذا كان مؤهلا لها؟ وهل كانت هذه الامتيازات تقدم له؟ وذكر في الإعلان أن " مملكة البحرين بلد آمن ومستقر ومكون من شعب متعدد الأعراق، ومتناسب مع الحياة الغربية".!!!(4) إنا لله وإنا إليه راجعون.
وعندما أراد النظام إيهام الشعب بإصلاحاته وبعد أن خرج العاطلون عن العمل بالمظاهرات والاحتجاجات على البطالة والتجنيس صدرت تصريحات صحفية فارغة لا تسمن العاطلين من جوع ولا تغنيهم بوظائف, واستمرت سياسة حرمانهم من العمل في وزارتي الدفاع والداخلية وتخصيصهما لأبناء السنة والمرتزقة الأجانب, وسياسة العقلية القديمة في التوظيف المبنى على المذهب أو العرق, وتخصيص وظائف بعض الوزارات والشركات لأبناء السنة والأجانب, وتكريس سياسة الواسطات والمحسوبيات والأوامر الصادرة من المتنفذين من العائلة الحاكمة في توظيف من يريدون في أي مكان بدون مراعاة للكفاءة العلمية, وإذلال المواطن البحريني في محاولة توظيفه في وظائف دنيا، واعتبار ذلك التوظيف " مكرمة " قبحها الله من " مكرمة " هذه المهزلة.
ويبدو واضحا أنّ السلطة لا تريد حلا للبطالة ولا تقوم بتشريع قوانين لحماية المواطن وحقوقه مقابل حقوق الأجانب ولا تفرض على الشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة توظيف أبناء البلد وتكرر نفس الأخطاء التي أدت إلى انتفاضة 1994, ومع سوء الوضع الاقتصادي وحالات الفقر الكثيرة ومشاهدة الأجانب تنعم في البلد ويجنسون ومع انكشاف النوايا الحقيقية للحكم وكذب ادعاء الإصلاح فلا نتوقع إلا انفجار الأزمات مجددا خاصة مع عدم وجود اختلافات كبيرة قبل وبعد ما سمي بالإصلاح فالبطالة ازدادت سوءا وبرنامج تجويع وإفقار الشيعة مستمر, ولا زالت السلطة تزور الأرقام الحقيقية للعاطلين وأعداد الأجانب والمتمتعين بالتأشيرة الحرة.
وملف البطالة والعمل في البحرين مليء بالغرائب والمتناقضات وهو جزء من تناقض النظام فالذي يدعو الناس للمطالبة بتوفير أعمال يعتبر محرض ضد النظام والذي يتظاهر ضد البطالة ويطالب بمساواته مع الأجنبي في وطنه فهو مخرب, وعندما يتظاهر المواطنون المحرومون من أعمال يقف الأجانب المرتزقة لهم بالمرصاد، ويرمونهم بالرصاص ثم يرمون في السجن ليحرسهم المرتزقة أنفسهم, وتفتح أبواب وزارة الداخلية عندما يتجمع ويطالب الأجانب بتوظيفهم فيها, وبينما يحمل العاطلون عن العمل شهاداتهم معهم للوزارة ولا يملك بعضهم وسيلة نقلية للرجوع إلى بيته أو قيمة تذكرة الرجوع بأي وسيلة يستفزهم على باب الوزارة جنود أجانب وأميون جهلة يستغنون بفقر المواطن, وهكذا يراد للبلد أن تكون وطن للأجنبي لا وطن البحريني.
أحد غرائب السلطة في البحرين أن الأجنبي مقدم على المواطن وكونك غير مواطن من العناصر الايجابية في حصولك على الوظيفة الجيدة والراتب الكبير على خلاف باقي مقاييس العمل في كل بلدان الأرض, وهذا ما جعل الأزمة تتشدد بين النظام والشيعة الذين يعاني أبناؤهم من البطالة في الوقت الذي يرون فيه الأجنبي يتمتع بالوظيفة وينعم بالراتب الكبير والسكن المريح وبمزايا أخرى له ولأولاده لا يتمتع بها المواطن نفسه, وبينما يتغرّب ابن البلد عن بلاده من أجل لقمة العيش يعيش الأجنبي متنعما في بلاد المواطن. وكمثال لتفضيل السلطة الأجنبي على البحريني استقدام المدرسين الأردنيين وعدم توظيف المدرسين البحرينيين, وقد أثيرت ضجة في البحرين على الإعلان المنشور في صحيفة الرأي الأردنية والذي جاء فيه ترغيب بحصول المعلم الأردني على راتب وعلاوة اجتماعية وبدل سكن يصل إلى 550 دينار تقريبا وبدل سفر للزوجة والأولاد وتأمين العلاج الاجتماعي في المستشفيات والمراكز الصحية ومكافأة خدمة تصرف كل سنة مع قرض مالي يسترد على أقساط شهرية ميسرة مع توفير المواصلات للمدرسين للانتقال بين السكن وأماكن العمل, وهو إعلان أشبه بكونه ملصق لتشجيع الأردنيين للهجرة والاستيطان في البحرين (ملحق10) في الوقت الذي يعاني فيه المدرسون البحرينيون من البطالة, ولا يشترط الإعلان ضرورة الحصول على المؤهل التربوي في تخصص الحاسب الآلي وإنما يكتفى بالمؤهل الجامعي بينما يشتكي البحرينيون خريجو قسم الكمبيوتر من البطالة التي امتدت لسنوات دون حل لها, كما تقوم السلطة بتوظيف المجنسين العرب من أصحاب هذا التخصص في البحرين وتحرم البحرينيين.
والسلطة البحرينية لا تجبر أو تشترط على الشركات الأجنبية والمؤسسات توظيف العامل البحريني، على عكس بلدان العالم الأخرى، وهذا ما يندهش منه أصحاب الشركات أنفسهم الذي يفضل بعضهم العمالة البحرينية على الأجنبية ولا يجد لذلك سبيلا في الأماكن التي بها الغالبية الساحقة من العمال أجانب وهم الذين يسيطرون على مكاتب التوظيف ويحرمون العامل البحريني, يحصل هذا بدعم من السلطة, والأرقام التي أعلنت في آخر إحصاء سكاني سنة 2001 تبين أن الأجانب يمثلون أكثر من ثلث سكان البلاد، وأكثر من ثلثي القوة العاملة، وهذا يوفر جانبا من تفسير استمرار ظاهرة البطالة وتراجع مستويات العيش بين المواطنين. كل هذا مع إخلاص البحريني وسلبيات العامل الأجنبي الذي يلقي بأسلوب حياته وثقافته على المجتمع البحريني, وينتقص من الاقتصاد البحريني بالحوالات المالية الكبيرة للخارج ففي عام 1997 تم تحويل 480 مليون دولار للخارج كما أنّ نسبة واحد في المئة تقريباً من العمال الأجانب هم "فارّون" من كفلائهم ووكالاتهم ويسيحون في البلد بلا رقيب (5).
وقام العاطلون عن العمل بالاحتجاجات والمظاهرات دون أن تسمعهم السلطة وارتبطت مظاهراتهم دائما برفض التجنيس كشعار ثابت, أحداها كان يوم 7/1/2002 حيث تظاهر مئات من العاطلين عن العمل مطالبين بتوفير وظائف عمل لهم وإحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية ورفضوا سياسة تجنيس الأجانب. وأخرى في 13/1/2002 وكانت مظاهرة حاشدة وفي مقدمتها لافتات كتب عليها مطالب العاطلين عن العمل وحقوقهم كمواطنين التي منها العمل في أي مجال وفي أي وزارة من وزارات الدولة وخاصة وزارتي الدفاع والداخلية وطالبوا بوقف التجنيس وأحقية المواطن البحراني في خدمة وطنه بدل الأجنبي المرتزق, وهتف المتظاهرون الذين يقدرون بالمئات بشعارات مثل " كل الشعب ما يشتغل والأجنبي يشغلونه", " كل الشعب يطالب بإخراج الأجانب", " نحن نطالب بالأعمال لا نشاغب " وهتفوا بـ " الوحدة الوحدة يا طلاب حينما وصلوا إلى معهد البحرين والجامعة, ثم رجعت المسيرة إلى وزارة العمل, وتحدث بعض المشاركين عن المشاكل والمماطلة التي يواجهونها من قبل الوزارة في حل مطالبهم والتمييز الطائفي في التوظيف, وتكرر تجمع العاطلين عن العمل في نفس الأسبوع, وقرروا القيام بمسيرة في 17/1/2002 أمام ديوان الخدمة المدنية في المنطقة الدبلوماسية, وفي مظاهرات أخري رفعت شعارات " أعمال ذليلة... رواتب قليلة " و" حق لنا بالعمل وليس حق الأجنبي " و" إلى متى إلى متى هذه المطالب ". وتظاهر عدد من المدرسين العاطلين عن العمل أمام مقر الحكومة في 3/2/2002 (6), وقام عدد من الخريجين والخريجات الجامعيين العاطلين عن العمل والذين يمثلون عدة تخصصات كالخدمة الاجتماعية واللغة العربية وإدارة الأعمال ومعلمة فصل والرياضيات والحاسوب,..... باعتصام أمام مبنى وزارة التربية والتعليم بمدينة عيسى في 23/7/2002 وطالبوا بلقاء وزير التربية والتعليم كما جاء في البيان الصحفي ولكن الوزارة بعثت بأصغر موظفيها إليهم, وطالب المعتصمون بتوظيف الخريجين والخريجات على حد سواء دون تمييز بين فئة وأخرى والإعلان رسمياً عن قوائم التوظيف وفي الجرائد الرسمية وفتح باب المُراجعة لمكتب التوظيف بالمنامة للخريجين والخريجات العاطلين للاستفسار عن أي شيء حول توظيفهم ووضع خطة حول التخصصات التي ترغب الوزارة أن يشغلها الخريجون والخريجات في مدارسها وإداراتها التابعة لها وكان رد الوزارة على هذه النقطة أنها لا يوجد لديها حالياً تخطيط مستقبلي وأنّ الخرّيج هو الذي يجب عليه أنْ يحدد المسار الذي يرى بأن السوق أو الوزارة تحتاج إليه !!!
والحكم يمارس الطائفية والتمييز في الوظائف بشكل سافر في كل مؤسسات الدولة الرسمية ويقصي أبناء الشيعة من كل الوظائف المهمة ويبقي بعض الوظائف الثانوية على عدد بسيط منهم للاستهلاك وادعاء بوجودهم في مجموع الوظائف, أنّ هذا التمييز متعمد ويهدف إلى إقصاء الشيعة من كل موقع مهم, وحسب دراسة دقيقة أجريت على يد أحد الكتاب البحرينيين خارج إطار الصحافة (7) ذكرت أنّه من مجموع ثلاث وعشرين منصب لوكلاء وزارة في البحرين يوجد وكيل وزارة شيعي فقط. وأنّ الشيعة محرومون من تولي رئاسة أية مؤسسة حكومية أخرى وعددها أربعة عشر مؤسسة كالجهاز المركزي للإحصاء ومؤسسة نقد البحرين والتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للشباب والرياضة وجامعة البحرين والطيران المدني وديوان الخدمة المدنية وشئون الجمارك والموانئ وبورصة البحرين وغيرها؟ وذكرت الدراسة تفصيلا لعدد موظفي الشيعة القلائل وهم أبناء الغالبية من الشعب التي تفوق 80 %, وذكرت أنّ عدد مدراء الإدارات والتنفيذيين الشيعة في وزارة التربية والتعليم اثنان فقط من أصل ثلاث وثمانين مديرا وموظفا تنفيذيا, وفي وزارة الإعلام واحد فقط من أصل أربع وثلاثين, وفي مؤسسة نقد البحرين واحد فقط من أصل ثلاث وأربعين, وفي شئون الجمارك والموانئ واحد من أصل واحد وثلاثين وفي شئون الطيران المدني واحد فقط من أصل أربع وعشرين وفي المؤسسة العامة للشباب والرياضة صفر من أصل واحد وعشرين ومثله في التأمينات الاجتماعية ووزارة العدل والشئون الإسلامية حيث المعادلة هي صفر مقابل ست عشرة, وفي وزارة العمل والشئون الاجتماعية عشرة من أصل خمس وأربعين, وفي وزارة التجارة والصناعة عشرة من أصل ست وثلاثين, ويطرح سؤال هنا وهو إن كان كل هذا ممكن أن يكون محض صدفة, وهل هي أيضا صدفة أن يستثنى الشيعة من تولي المناصب التنفيذية في جميع البنوك والمؤسسات المالية وجزء كبير من قطاع الشركات الصناعية؟ وهل هي محض صدفة أن لا يكون من بين موظفي المستشفى العسكري طبيب أو ممرضة أو حتى منظف من الطائفة الشيعية ؟ فهل المواطن الشيعي مشكوك في ولائه حتى كمنظف وعامل في حين يحمل المرتزقة السلاح ويستثنى المواطن الشيعي من حق الدفاع عن وطنه. وفي حقبة الإصلاح التي يتحدثون عنها يتم تعيين ثلاث عشرة مدير في وزارة التربية والتعليم والمؤسسة العامة للشباب والرياضة ووزارة التجارة والصناعة ليس من بينهم سوا اثنان من الشيعة.
وفي حقبة الإصلاح أيضا يمثل الشيعة أقلية ضئيلة حتى في المجالس الحكومية كالمجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي وحتى اللجان التي من المفترض أن يكون التمثيل فيها متساويا كتلك اللجان المعنية بتفعيل الدستور و"الميثاق" واللجان المنبثقة يكون الشيعة فيها أقلية, وهل من العدل والإنصاف أن تطرد الكفاءات الشيعية التي من بينها مهندسون ومحاسبون قانونيون من وظائفها في وزارات الكهرباء والماء والأشغال وشركة بتلكو وديوان الخدمة المدنية وينضموا إلى قوافل العاطلين في حين تتمتع الكوادر الفاشلة والمشكوك في نزاهتها والمحالة على التقاعد في طيران الخليج براتب كامل وتتمتع بالرعاية ويعاد تعيينها ورغم وصولها إلى سن التقاعد في وظائف عليا في أجهزة الدولة, فيجمع هؤلاء الفاشلون براتبين في حين تهيم الكفاءات الأخرى على وجهها وتسد أمامها أبواب العمل والحياة الكريمة! ولا يكون بعد ذلك الحديث عن العدالة والمساواة إلا لغوا ؟ ورفع شعار الأسرة الواحدة إلا كذبا.
ويرى أصحاب القرار في البحرين أن زيادة الثروة هو الهدف الأهم وإن مر على آلام المواطنين وأمعن في فقرهم، وعلى هذا تم العمل بنظام التأشيرات الحرة " فري فيزا " حيث يتم جلب أعداد من العمال الأجانب عن طريق أحد المتنفذين في الحكم أو أصحابهم ويعملون أحرارا في السوق البحرينية مقابل أجرا يدفعه العامل الأجنبي للمستورد البحريني, ويقدر بعض المواطنين عدد العمال الذين يعملون بهذه الطريقة التي تنعكس بسلبياتها على العامل البحريني أكثر من 60 ألف عاملا, ويدعى أن رئيس الوزراء البحريني لديه وحده أكثر من 15 ألفا منهم, وأن مجلس الشورى المعين تلقى أوامر بإغلاق هذا الملف حين فتحه, كما يرون إبقاء أجرة العامل البحريني متدنية وعدم تعيين حدا أدنى للأجور وهو إجراء معمول به في كثير من دول العالم حماية للعامل من استغلال جشع رؤوس الأموال.
ويتم اضطهاد الأجانب للعامل البحريني بعد أن يرون تغافل النظام البحريني نفسه ولا عجب أن نسمع شكاوى مثل قيام المدير الاسترالي بإنهاء خدمات الموظفين البحرينيين دون الإماراتيين والقطريين والعمانيين واستقدام مجموعة استرالية مكانهم, أو قيام أحد المجنسين العرب ويعمل في شركة(8) بمحاولة إذلال الموظف البحريني عبر سلسلة من القرارات المجحفة كإعادة صياغة الأجور ووقف الزيادات وإجبار الموظفين على توقيع عقود سنوية هي أشبه بوثيقة اعتراف بوليسية وكل ما فيها انتقاص لكرامة المواطن البحريني على أرضه, والتهاون مع مدير التوظيف السيرلانكي الجنسية بالتضييق على البحرينيين ومنعهم من الصلاة في الوقت المستقطع من الدوام في الشركة وإغراق الشركة بالعمالة الأجنبية بمرتبات خيالية مع أنها اقل خبرة وتتدرب على يد البحريين لتصبح بعد فترة وجيزة مدراء عليهم واستجلاب العمالة السائبة من الفري فيزا بشكل كبير لا يتصوره أحد للعمل في دوام ليلي بعيدا عن عيون الرقباء من وزارة العمل أو أجهزة الدولة, ويعمل منهم الكثير أثناء النهار أيضا بعد إعداد مخابئ سرية للاختباء عند حصول أي تفتيش مرتقب.
والغريب أنّ وزارة التربية فصلت المدرس الفلسطيني محمد شكري الجماصي بعد ثلاثة عقود من الخدمة والتدريس وخبرة لأكثر من 32 سنة بحجة البحرنة (أي جعل الوظائف بحرينية) سنة 1999 كذبا وزورا, والسبب الحقيقي هو تشيعه المعلن, في الوقت الذي يجري التعاقد السنوي مع المدرسين من الخارج ويحرم البحريني من التعليم والشيعي والمتشيع.
حرمان المواطن من العمل في الجيش والشرطة:
أحد أسباب ازدياد البطالة في البحرين هو حرمان المواطنين الشيعة من العمل في عدد من الوزارات والوظائف كما ذكرنا وأهمها وزارتي الدفاع والداخلية وهما الوزارتان اللذان تستوعبان كل المواطنين العاطلين عن العمل إذا تم استبدال الأجانب بهم, ذلك أنّ غالبية الأجانب الذين جنسوا يعملون في هاتين الوزارتين, وهما اللتان يمثلان مخرجا عمليا في كثير من الدول للتقليل من مشكلة البطالة, ولكن النظام لا يثق في الشعب ولا يقبل على توظيفه في أمكنة حساسة, وبرغم التأكيدات التي ذكرها الحاكم للرموز السياسية الشيعية خلال الفترة التي سميت خطأ في الإعلام الرسمي بالإصلاح فقد بقي باب التوظيف في وزارتي الداخلية والدفاع مقفل ومحرم على الشيعة, وتأكد أنّ إشارات الحاكم حول المساواة وعدم الطائفية للاستهلاك ولم يخضع القرار الاستراتيجي بمنعهم للتنازلات ولا "المكرمات " فهاتان الوزارتان شكلتا لتكون حماية للنظام من الشعب وليس حماية للشعب من العدو وعند تأسيس الحرس الوطني تم استيراد الآلاف المرتزقة من مختلف أصقاع الأرض كان آخرها من صحراء سوريا وقبائل اليمن. وقانونا فإنّ في منعهم مخالفة لمواد الدستور الذي ينص على المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص (9), إنّ الدولة ملزمة بإصلاح عام حقيقي بدلا من الخداع وكسب الوقت وتوظيف العاطلين عن العمل جزء مهم من هذا الإصلاح, وقد أكدّ حرمان الشيعة من العمل في الوزارات الرئيسية والجيش والشرطة في زمن تدّعيه السلطة ومروجوها بالإصلاح على عدم توفر الحد الأدنى من الثقة لديها اتجاه الشعب, وبالتالي سيقابلها الشعب بالمثل وسينظر لكل ما تطرحه على أنه أكاذيب وحيّل, ولن تكتسب السلطة ثقة الشعب مادام الجيش والشرطة أجنبيان وغالبية المواطنين محرومون من العمل فيهما وسيستمر التوتر بين السلطة والشعب.
والمشكلة في مفهوم الأجنبي فالشعب يعتبر أن غير البحريني هو الأجنبي ويختلف شدة وضعفا وآل خليفة يعتبرون البحريني الشيعي هو الأجنبي, ولأنهم أساسا غير بحرينيين لا زالت عقليتهم تتعامل على ارتكازات ورثوها من أجدادهم ولا زالوا يفتقرون إلى الانصهار الوطني أو الوطنية التامة, ولا زالوا يعتبرون قبيلة الدواسر في الجزيرة العربية وبدو صحاري سوريا أقرب إليهم من المواطن البحريني الأصلي, ولا يحسون بالغربة اتجاه البلوشي الباكستاني أو اليمني والهندي والأردني ويطمئنون إليه ويضعونه في المراكز الحساسة في الجيش والشرطة ويتجنبون المواطن البحريني, ولكنهم لا يدركون مساوئ هذا الخليط الجيشي المرتزق, وربما يحتاجون إلى حرب خارجية يفر منها المرتزقة بجلودهم إلى بلدانهم الأصلية لتكون منبها لهم بأهمية وأولوية أبناء البلد, ولم يعتبروا من هرع المواطنين لإنقاذ جثث طائرة طيران الخليج الساقطة قرب سواحل الدير, عفويا وبدون أوامر في أقل من ساعة واحدة بكل إخلاص وكفاءة, بينما جاءت قوات المرتزقة متأخرة بعد أن أخرجت الجثث, وغطس أحد أفرادها دون أن يستطيع الخروج ثانية إلا جثة هامدة كما روى المواطنون, فهل يستطيع هؤلاء المرتزقة الدفاع عن البلد وحمايتها فيما لو دخلت حربا؟ أو أنّ وظيفتهم فقط هو ضرب وتعذيب المواطنين ؟ وهل يستوي المواطن الذي تربى على هذه الأرض وترعرع ومات أجداده كادحين في ترابها وبها تاريخه وماضي أسلافه مع من جئ به للاسترزاق والاستكلاب, أنّهم بلا شك لا يشعرون بالمواطنة والوطن وربما يضحكون في الخفاء -وهم الأميون- على النظام الذي استبدل بهم المواطن وفضلهم عليه!!
إنّ تمكين الأجنبي على مقدرات الأمة وأجهزتها الأمنية والدفاعية هو الخطورة العظمى على الأمن والاستقرار وأحد هذه الأخطار إمكانية قيامهم بانقلاب عسكري على آل خليفة الذين لا يفقهون ولا زالوا مصابين بالهوس الأمني الذي يقوم أساسا على أنّ السلطة هي سلطة احتلال وأنها لا تنسجم مع أبناء البلد وتتمايز عنهم وهي خارج الوطن وفوق الشعب فهي لا تدرس في مدارس الشعب ولا تصلي في مساجده ولا تشاركه أفراحه ولا أحزانه ولا ترتاد نواديه ومقاهيه ولا تعرف شيئا عما يعانيه المواطن في بحثه عن مسكن أو وظيفة أو مستقبل, فهي معزولة عن الشعب ولا تثق به وتستنجد عليه بالأجنبي المرتزق وتراه يحقق لها أمنها وأمانها ورخائها من خطر المواطن ويحفظ لها امتيازاتها المالية والاجتماعية والسياسية بينما تقوم فئة من السلطة وحواشيها وجماعة من المرتزقة في هذا الوطن بتغذية المفاهيم الطائفية الوسخة وتضخيمها للحفاظ على مواقع إدارية وسلطوية يخافون من خسرانها في حال تعاملت الدولة مع مواطنيها على أساس المواطنة والمساواة والعدالة.
الولاء:
يعرّف الولاء بأنه الإخلاص لشخص أو مبدأ أو قضية أو مؤسسة أو دين أو وطن أو أمة أو غيرها, ومن الناس من يلتزم بالولاء للأسرة, أو للعشيرة أو للمدينة, ويقدم المتدينون الولاء للدين أو للمذهب, بينما يتخطى البعض ذلك كله. ما يهمنا هنا هو مسألة الولاء للوطن, الوفاء والإخلاص للوطن, فالمجموعات المستوردة من عدة دول عربية وغير عربية فاقدة لكل معاني الوفاء والإخلاص للبلد المستورد وهو البحرين بل وتشكّك أنظمتها ذاتها بحقيقة ولاءاتها الوطنية, ولهذا لا نستغرب أبدا عندما تقبض البحرين على مجموعة من الأردنيين المستوردين وتتهم بالتعاون المخابراتي مع "الشقيقة" قطر(10) العضو في مجلس التعاون الخليجي حسب التسمية الرسمية في أثناء ما يمكن أن تسميه الحرب الباردة بينهما في الثمانينيات. الغريب هنا أن حكومة البحرين لا تطالب هؤلاء بالولاء للوطن وتعرف أن هؤلاء لا يملكون هذا الشعور والإحساس والإخلاص ولكن تطالب عبر صحافتها المواطنين بالولاء للحاكم ومن ينتمون إليه, ومع القمع والاضطهاد والتمييز على مدى أكثر من قرنين لأبناء الوطن الأصليين، إلا أنهم تناسوا جروحهم وآلامهم، وأثبتوا صدقهم وطيبتهم عند زيارة حاكم البلد إلى جزيرة سترة بحماس وتصفيق وفرح، وهذا ما لا يستطيع فعله صادقا كل المرتزقة الذين استمر تدفقهم أثناء وبعد مشاعر الحب والإخلاص في سترة والتي قابلتها السلطات بمزيد من تجنيس الحثالات, ومنها من هو متعصب لكل ما ورثه في بيئته البدائية البدوية ومنها من لم يتخلى عن لغته الأصل ولم يتعلم العربية وهو في البحرين سنوات مديدة ومنها من يسخر من النظام الذي جاء به ووظفه.
لا ينبغي أن تكون الذريعة التي يختفي وراءها النظام لمنع الشيعة من العمل في وزارتي الدفاع والداخلية، ويدّعيها واجهات النظام هنا وهناك هي مسألة الولاءات لدى أبناء الشيعة، فهذه الهواجس لا ترقى لأن تكون سببا لمنع التحاق الشيعة بالأجهزة الأمنية, ففي المقابل يمكن أن يدّعى بأنّ السنة أو بعضهم لديه ولاء للسعودية أو أنّ البعض له ولاءات سياسية عراقية وسورية وروسية, وأنّ السلطة نفسها كانت ولاءاتها أجنبية ولم تكن عربية ولا إسلامية واعتمدت على الأجنبي لتسيير أمور البلاد, وأنّ قوائم الضباط الكبار تضم في أرفع المناصب أجانب غير عرب, ووزارة الداخلية تدار مباشرة بأيدي البريطانيين والأمريكيين وأبرزهم (أيان هندرسون)، وهم بدون شك لن يخدموا المصالح البحرينية والعربية والإسلامية على حساب مصالحهم ومصالح بلدانهم، تلك المصالح التي تفترق وتتباين مع المصالح العربية والإسلامية. ولهذا فإنّ المناصب الحساسة لا تعطى في بلدان العالم الأخرى إلا للمواطنين، بينما تشترط بعض الدول أن يكون المرشح لمثل هذه المناصب من المواطنين الذين ولد أبواهم في البلد نفسه. وبالمعايير الأكاديمية، فإنّ الموظفين المستوردين في وزارة الدفاع والداخلية، فاقدين لأية مؤهلات علمية وأميون يجهلون القراءة والكتابة، ولا يميزون بين أعلى وأسفل الصفحة إذا لم تكن بها صورة، وفاقدين لشعور المواطنة والولاء، والمواطنون العاطلون عن العمل من حملة الشهادات المدرسية والجامعية العليا، ومرتبطون تمام الارتباط بالوطن وأهله، وإذا وجد القرار السياسي؛ فإنّ المواطنين يحتاجون لأسابيع قليلة فقط ليتم إحلالهم محل الأجانب.
[color=FF0000] الخدمات الاجتماعية والاقتصاد [/color]
إنّ من واجب الدولة وهي التي استولت واحتكرت كل ثروات البلد وفرضت الضرائب المختلفة على المواطنين توفير الخدمات الضرورية والأساسية للمواطن صاحب هذه الأرض والثروات كالتعليم والتطبيب وتوفير السكن المناسب واللائق للمواطنين دون أن تتبع ذلك بنوع من المن على الشعب أو تعتبره فضلا وتقديمه بعنوان هبة أو مكرمة كما يحلو ذلك للحكومة البحرينية فتقابل بسخرية الأهالي قبل الأجانب الذين يعون إلى أنّ هذه الخدمات من إسكان وتعليم وصحة حقوق ناقصة لهم ودون مستوى الثروات التي منحها الله سبحانه وتعالى لهذه الأرض ولهذا الشعب, ولا يوجد تفسير للتناقض بين معدل دخل الفرد البحريني حسب المصادر المستقلة وبين مستوى الخدمات المتدنية والبنية التحتية الناقصة له, فالتقرير الفرنسي الصادر في ديسمبر 2001 يضع البحرين في المركز الرابع بين دول الخليج بعد الإمارات والكويت وقطر من حيث المعدل السنوي لدخل الفرد وهي تسبق السعودية وعمان في حين أننا نرى بوضوح وبفوارق كبيرة أفضلية الخدمات الاجتماعية السعودية والعمانية على البحرينية وثراء الشعوب الخليجية وفقر المواطن البحريني, وهكذا تتأكد بوجود خلل ما عندما تقرأ تقرير المؤشر الدولي للتنمية البشرية لعام 2002 للأمم المتحدة حيث تأتي البحرين في المركز الـ39 على مستوى العالم من بين 173 دولة ولكن الدولة تتشدق بأنها الأولى حسب التقرير على الدول العربية بينما تأتي الكويت في المركز 45 والإمارات 46 وقطر 51, والسعودية 64, ويعتمد هذا المؤشر تصنيفه للدول حسب إنجازات البلد في مجالات متوسط عمر الفرد والتعليم ومتوسط دخل الفرد بينما عمليا يعتبر المواطن البحريني الأفقر في دول الخليج ويفوق مستوى التعليم في غالب دول الخليج الأخرى على مثيله في البحرين(11), وتقول مصادر في المعارضة البحرينية أنّ أحد العاملين في مكتب الأمم المتحدة في البحرين سوداني الجنسية، هو من يزود الأمم المتحدة بمعلومات خاطئة عن البحرين، مما يجعلها الأولى في مؤشر التنمية البشرية على مستوى الدول العربية، بعد أن وعدته السلطات في التسعينات من العقد الماضي بمنحه الجنسية البحرينية هدية له على أكاذيبه.
والبنية التحتية في هذا البلد الصغير ناقصة فالكثير من المناطق محرومة من الماء الصالح للشرب وتفتقر إلى المجاري العامة والطرق المرصوفة, ويعاني قطاع الكهرباء من أزمات حقيقية وقد رأينا الانقطاع الكثير والمتكرر في اليوم الواحد للتيار الكهربائي في هذا الصيف 2002, ولا زال التعليم يعاني من مشاكل عديدة، ومن عدم توفر المدارس والفصول الدراسية رغم المساعدات الكويتية للمشاريع التعليمية في البحرين. وهكذا القطاع الصحي وشؤون التطبيب يعاني من المآسي والفضائع، ويضطر الأهالي للسفر للحصول على تشخيص صحيح لأوضاعهم الصحية والعلاج المناسب والدواء, ويقدم المستشفى العسكري وهو الأفضل في البلد خدماته مجانا إلى أفراد آل خليفة والمرتزقة الأجانب في الجيش والشرطة، بينما يدفع المواطنون تكلفة كبيرة في حال اضطرارهم للتطبيب فيه, أما القطاع الإسكاني الذي يدعم من دولة الإمارات العربية فهو يعاني من سوء التخطيط فلم تتحمل وزارة الإسكان مسؤوليتها في التخطيط لبناء المدن والقرى ولتطويرها وتركت الأمر يسير بشكل عشوائي بعيد عن التخطيط الضروري اللازم للبناء، مما نتج عنه فوضى عمرانية اضطر فيها المواطن إلى العيش في بيوت صغيرة قديمة ومكدسة بشكل عشوائي، فاقدة إلى تخطيط المدينة الحديثة ومستلزماتها، مفتقرة إلى الطرق المناسبة ومواقف السيارات والحدائق العامة والمنتزهات وأماكن ألعاب الأطفال, وفي حين احتكر آل خليفة جميع أراضى البحرين تقريبا وتصرفوا فيها على أساس الملك الخاص واستغلوها لتكديس ثرواتهم, يحرم المواطن من حقه في امتلاك قطعة ارض مناسبة لسكنه، ويضطر للانتظار لسنوات عديدة تصل إلى أكثر من عشر سنوات في طوابير وزارة الإسكان، من أجل الحصول على قرض الإسكان أو أرض الإسكان وإلى سنوات أطول من أجل الحصول على منزل من هذه الوزارة التي تتعامل مع شعب لا يزيد تعداده عن 350 ألفا حسب الإحصائيات الحكومية في التسعينات.
ومن هنا يبرز التناقض الواضح الذي لا يرى المراقب له جوابا إلا إصرار النظام على محاربة المواطنين في وجودهم، بتغيير التركيبة السكانية للبلد وهويته الثقافية، باستيراد المرتزقة الذين يستنزفون ثروات البلد، وإعطائهم الأولوية في الخدمات الإسكانية، من بيوت وقروض في مدينة حمد وغيرها، دون الحاجة إلى الانتظار إلى أشهر فضلا عن سنوات كما هو حال المواطن المستضعف, وبينما ينتظر المواطنون بيوت الإسكان لأكثر من عقد من الزمن وتفاءلوا بالإعلان عن المساعدات المالية الإماراتية لبناء مساكن لشعب البحرين وإذا بالنظام قد أعلن عن حجز هذه المساكن إلى "المخلصين " من المواطنين, والذي يعني في عرف الحكم مجموعة المتزلفين والمرتزقة المجنسين. ويحتاج المرتزقة بسبب المستوى العلمي المتخلف لديهم إلى جهد كبير وأموال إضافية لتأهيلهم وتعليمهم وتدريبهم مما يرهق كاهل الدولة على حساب بقية المواطنين كما أنّ إسكانهم يحتاج إلى أموال مضاعفة وميزانية كبيرة تفوق حصة المواطن البحريني الذي عاش في بيت أبيه وبنى بيته بكده وجهده.
ولابد أن يتساءل المواطن والمراقب لأوضاع البلد لماذا هذا الإصرار الحكومي على استيراد المرتزقة وتجنيس الأجانب والبلد صغير المساحة ومحدود الموارد كما تدّعي السلطة ويعاني من نمو سكاني مرتفع وكثافة سكانية هي الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى النمو الاقتصادي البطيء قياساً بالنمو السكاني مما يسبب في أزمة اقتصادية وأزمة بطالة خانقة كانت سبباً رئيسياً في وقوع الأحداث التي هزت البحرين من عام 1994 حتى عام 1999, ولا مجال إلا للتشاؤم مع هذه الزيادة السكانية المفاجئة وغير المحسوبة بدقة لتجنيس عشرات الآلاف الذين يحتاجون للخدمات الاجتماعية وميزانيات علاجية ومساحات سكنية وقوانين تنظيمية إدارية والمواطن محروم من عمل ومعاش وسكن, ليستنتج أنّ الانتفاضة القادمة سيكون مفجرها تجنيس المرتزق وحرمان المواطن, ولماذا الإصرار على عمليات التجنيس الواسعة ووزارة الإسكان تحذر من حصول الانفجار السكاني في البحرين الذي يعرقل خططها ولن يكون بمقدورها توفير الإسكان للأسر على الوجه المطلوب وبالسرعة اللازمة مع التزايد السكاني المطرد في البلد, وقال مصدر في الوزارة أن الطلبات الجديدة قد تبقى على قوائم الانتظار مدة عشر سنوات بالنسبة إلى الحصول على قسائم سكنية من بيوت أو شقق سكنية أو قروض لبناء مساكن وأن 31 ألف طلب من قبل لا يزال على قوائم الانتظار, وقال وكيل وزارة الإسكان أنّ عدد سكان البحرين قد تزايد خمسة أضعاف عدده على مدى الـ25 سنة الماضية وهذا من شأنه أن يجعل من المستحيل على الحكومة أن توفر المشروعات الإسكانية حسب المتطلبات وقال أنه ينبغي على المواطنين تفهم محدودية الموارد المالية والميزانية لدى وزارة الإسكان, كما قال أنّ سجلات بنك الإسكان تؤكد على أن هناك من حصل على قطع أراض سكنية منذ عام 1983م لكنه لم يستطع البناء حتى الآن ! (12) والعجيب أنّ الصحافة البحرينية تنتقد كثرة الإنجاب والزواج المتعدد (13) وهي حالات قليلة في شرائح المجتمع البحريني وإلقاء اللوم والمسئولية على الدولة والمجتمع, لكنها لا تتحدث عن المرتزقة المجنسين الذين استوردوا من مناطق عرفت بكثرة الإنجاب وتعدد الزوجات وهذه مزايا ملحوظة عند المستورد.
وتخشى المعارضة من تخطيط الدولة للمناطق السكنية بصورة تهدف إلى توزيع المواطنين في مناطق سكنية جديدة بدلا من العناية بالمناطق السكنية التي يقطنونها حاليا, ولا يستبعدون أن يكون الهدف من ذلك هو تفتيت الهوية الشيعية التقليدية للقرى التاريخية وذلك بالقضاء عليها تدريجيا ومحو آثارها الثقافية وانتماءاتها التاريخية, وقد دأبت حكومة البحرين على إبادة الهوية الشيعية في البحرين منذ عقود، والذي اصطدم بوعي المواطنين ومقاومتهم له فمنع من التحقق, وحتى الآن فالتاريخ الذي يدرّس في المدارس لا يعترف بالوجود الشيعي الذي تواجد في البلاد منذ صدر الإسلام وهو مذهب الغالبية من السكان (14).
الجانب الاقتصادي:
يعاني الوضع الاقتصادي في البحرين من تدهور وسوء تخطيط ويستفيد أبناء السنة من التمييز الطائفي الحكومي في هذا المجال الحيوي بتعيينهم في الوظائف العليا والأجهزة الأمنية ويقف على ترؤسهم أفراد من آل خليفة ومجموعة صغيرة من أصحاب النفوذ, وتشير الدراسات إلى أنّ المخزون النفطي يتناقص وهي السلعة الأساسية للدخل في البحرين بينما تقول بعض المصادر البحرينية أنّ ذلك ليس إلا دعاية يراد بها إقناع أبناء البحرين بمحدودية دخلهم وإيهامهم بفقر بلدهم وإبعادهم عن معرفة الأرقام التقريبية للثروة الحقيقية, وأنّ البلد تعيش على بحيرات نفطية وأنّ الآبار النفطية البحرينية مشتركة مع آبار العربية السعودية الغنية والتي يتسرب منها النفط إلى الأراضي البحرينية المنخفضة, ويستولي آل خليفة دون أدنى حق أو كفاءة على المناصب العليا في الوزارات والدوائر الحكومة كوزراء ووكلاء وزارات ومدراء ومسئولين أقسام ويستأثرون بما يقارب الخمسين في المائة من الدخل العام, ويحصل كل فرد من آل خليفة على مرتب شهري منذ اليوم الأول لولادته ويحدد مقداره على مدى قربه أو بعده من شجرة سلمان الحاكمة إلى الدرجة التي يحصل بعضهم على مبلغ شهري يقدر بآلاف الدنانير والمواطنون يعانون الصعاب في مأكلهم ومشربهم ومسكنهم, ويقومون بسرقة حصة محددة من عائدات النفط، وتدخل حصة البحرين من حقل أبو سعفة المشترك مع السعودية في جيب الحاكم دون غيره من أبناء الشعب, ولا تدفع آل خليفة أية ضرائب في حين يصرف المواطن العادي أكثر من ثلث راتبه المحدود على ضرائب الكهرباء والماء والبلدية وغيرها من الرسوم الشهرية والسنوية التي تفرضها عليه وزارات الدولة المختلفة, وقد دمر آل خليفة الاقتصاد البحريني التقليدي وأسرفوا وبذروا في الثروات الطبيعية التي حبا الله بها هذه الجزر الوادعة، ولم يخططوا ويعملوا لخلق البدائل الاقتصادية الحقيقية، وعوضا عن ذلك استوردوا الآلاف من المرتزقة ليكونوا عبئا على المواطنين والاقتصاد الوطني, وبكميات لا تستطيع البلد استيعابها، وإن استطاعت فعلى حساب أبناءها بمضاعفة الضغوط على مواردها المحدودة كما تصفها الحكومة نفسها, فالمواطن البحريني ومن أجل تكوين بيت وعائلة يحتاج لعدد من السنوات بعد إكمال دراسته الثانوية ثم الجامعية ثم البحث عن وظيفة وادخار للحصول على سيارة ثم الخطوبة والزواج، ويقضي لياليه في التفكير حول إمكانية تعيش أبناءه وتوفير اللقمة والمال الحلال لهم، ثم يرى بأم عينيه أن كل تلك المدة والمال والسكن والوظيفة، يختزلها النظام ويهيئها للأجنبي الغريب عن الدار والوطن والعادات والخلق، ففي حين يحرمه النظام منها, يمنحها للبلوشي والسوري واليماني والأردني والباكستاني ليؤسس عائلة كبيرة تتمتع بنوع من الحصانة، ومدخول ثابت، وتوفير المدارس الجيدة، والتطبيب لها ولأبنائها ليكونوا بعد حين أصحاب قوة اقتصادية ونفوذ, ويحس المواطن الذي خرج من السجن الصغير في الفترة التي سبقت خدعة الإصلاح ومؤامرة الميثاق أنه وقع في سجن أكبر محروم من مصدر رزق يكد به على عائلته ويضطر العائد من المنفى تحت ضغط الحرمان والتمييز الرسمي والبطالة إلى الرجوع إلى المنفى يكمل فيها بقية عمره بعد أن قضى فيه زهرة شبابه, ويضطر المواطن الشيعي وهذا ما يرموا له النظام بالتأكيد إلى تقليل الإنجاب, ولا يستطيع بعض المواطنين الإقدام على الزواج أو يتزوجون متأخرين, لتكون النتيجة غالبية المرتزقة خاصة مع تكاثرهم السريع بغير حساب على أبناء الشعب.
وعملية التجنيس بشكلها التي تسير عليه السلطة في البحرين شاذة وغريبة ولا تجد لها مثيل قي بقية دول العالم مهما اختلفت مناهجها وأسلوب إدارتها للحكم وتعاملها مع شعوبها فالجنسية تمنحها بعض الدول لفئة من المستثمرين وأصحاب المال والثروة بهدف جذب السيولة واستثمارها لتنشيط الاقتصاد الوطني كاستراليا ونيوزيلندا وغيرها, وفي البحرين يجري العكس وخلافا لكل الأعراف والقوانين حيث يتم استقدام العنصر البشري المستهلك والمعال والذي يستقطع من ميزانية الاقتصاد الوطني ليخلق وضعا معيشيا صعبا للمواطنين ويضيف ثقلا على ثقل البلد الذي يعاني في الأساس من أزمة اقتصادية خانقة كما هو واضح, فكل الذين أتت بهم سلطة لآل خليفة من الطبقة الوضيعة والغير مثقفة لا يملكون رصيدا ماليا يقدمونه للبلاد ولا أصحاب كفاءات أو مؤهلات علمية, ولهم من العادات والتقاليد الغير شريفة وبعيدة عن قيم الأخلاق الإنسانية.










