البحرين Bahrain
تعتبر المشاركة السياسية من العناصر الأساسية التي اكدها الاعلان العالمي لحقوق الانسان لتعزيز وضمان الاستقلالية والحرية للافرد والمجتمعات على تعدد أساليبها واختلاف مستوياتها ومهما تناقضت الظروف السياسية
كتاب التجنيس والتغيير الديموغرافي في البحرين

كتاب التجنيس والتغيير الديموغرافي في البحرين



 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

سورة العصر

مقدمة



واجهت معضلة التركيبة السكانية قبيلة آل خليفة منذ دخولها البحرين قبل أكثر من قرنين من الزمن، فسعت باستمرار إلى تغييرها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا عبر إغراءات إلى القبائل ذات النزعة العدوانية التي نزحت معها قديما, وحاليا ومنذ عقود ثلاثة عبر برنامج غير قانوني لتجنيس أكبر عدد ممكن من الأجنبي التي تطمئن إليه وتسلمه المناصب الحساسة في الجيش والشرطة, وضمن مقاييس طائفية بحتة تم استيراد وتعليف وتوطين وتوظيف وتجنيس عشرات الآلاف من البشر الجهلة من البدو وأبناء الصحاري العربية وغيرها التي تسمع وتطيع حاكمها دون أن تتحاكم إلى القيم أو تستند إلى الأعراف, وظيفتها قمع أهل البلد الذين يناضلون من أجل حريتهم ويجاهدون في سبيل دينهم, وتوسع مسلسل التجنيس إلى المقيمين في البلد ومواطني دول الخليج العربية رغبة في كسر هذه المعضلة, فكانت ظاهرة خطيرة لا تتكرر في التاريخ ولم نعلم نظاما منذ خلق الله آدم حتى هذا اليوم أقدم على ما أقدم عليه النظام في البحرين من الاستعانة بالمرتزقة والجلادين الأجانب ضد شعبه الأعزل لقمعه ونهبه وتعذيبه في عملية سرية يرفض الإفصاح عن أرقامها وتفصيلاتها, وميزهم عليه في وظائفهم ومساكنهم وخدماتهم أملا في أن يكونوا عنصر الاستقرار والأمن وحماية له من المواطنين.

ارتكز المخططون للنظام على أمل يفترض أنّ تغيير الوضع الديموغرافي للبحرين وهويتها الثقافية سيجعل منها مجموعة مجتمعات صغيرة غير متجانسة ويرفع عقدة الغالبية الشيعية وسيجنبها الثورات الشعبية وسيحافظ إلى أمد غير معلوم على الحكم القبلي دون إعطاء أهمية واسعة للآثار السلبية المدمرة التي ستبتلي بها البلد من جراء عمليات التجنيس التي لم تنته حتى بانت سلبياتها فاتسعت نسبة البطالة والفقر وكثرت الجرائم والسرقات وارتفعت نسبة الأمية وتزايد الضغط على خدمات الصحة والتعليم وغيرهما واتسعت الفجوة بين الشعب والحاكم وانعدمت الثقة وتشعّب المجتمع, وآثار وسلبيات لا تخص شريحة دون أخرى حتى تصل النوبة إلى تهديد النظام نفسه من المستوطنين الجدد.

ولقد استمعنا إلى الآراء الشعبية والاحتجاجات المختلفة التي قام بها المواطنون دون أن يستمع النظام إليها أو يسمح بالمحاورة فيها أو تناولها في وسائل الإعلام المختلفة, ورأينا عشرات المقالات الرافضة والناقدة للتجنيس كلها تصرخ بصوت واحد أوقفوا التجنيس وارجعوا المجنسين إلى بلدانهم الأصلية.وإيمانا منا بأهمية الموضوع نشارك شعبنا همومه ونبيّن التجنيس ومتعلقاته, سائلين الله التوفيق.



الفصل الأول



أسباب

التجنيس













أسباب التجنيس



السؤال الذي يطرح نفسه باستمرار ويسأله المراقبون للأوضاع السياسية في البحرين يتمحور حول الأسباب الحقيقية التي تدعو النظام في البحرين لاستيراد وتجنيس الأجانب, ويجلب المرتزقة من شتّى بقاع الأرض, ويتحمل جميع مصاريفهم ويهيئ لهم جميع أسباب الراحة والحياة الكريمة, والمواطن ينام في بحر من الفقر والمعاناة, محروم من حقوقه الأساسية, والبحرين دولة صغيرة تمثل رأس دبوس على خارطة العالم, رواتب شعبها بسيطة ومتواضعة, وشعبها مشرد ورهين السجون والمعتقلات, مُحبط, مغلوب على أمره, يفتقر إلى أبسط حقوق المواطنة, عاطل عن العمل, وبها كثافة سكانية عالية, وتعاني من مشاكل إسكانية وضعف في الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم, إلى غيرها من الأسباب التي سنتحدث عنها بتفصيل أكثر, وحكومته تعلن دوما بأنّ البلد محدود الموارد, وتستقبل المساعدات من دول الخليج العربية لمشاريعها ! والجواب الواضح أنّ الهدف الأصل والأساس في التجنيس هو محاولة القضاء على الوجود الشيعي في البحرين, وكل هذه الجيوش لحرب تحرير البحرين من الشيعة, وكل الأسباب الأخرى من تغيير التركيبة السكانية والهوية الثقافية للبلد وغيرها مقدمة لهذا الأصل, لأنهم الصوت المعارض الذي يهدد الحاكم ويضطره يوما ما إلى العدالة في الحكم بعد أكثر من قرنين من الضيم والظلم, فإذا لم تستطع إنهاء هذا الوجود على المدى القريب فإنها ستحاول جعله حالة ضئيلة لا حس ولا صوت له وتنعدم قدرة الشعب تماما على القيام بأي معارضة سياسية فاعلة للنظام، ومنع تكرر تجربة الانتفاضات السابقات. فالنظام يستورد دروعا بشرية لتحميه من غضب الجماهير حيث يجد نفسه في صراع دائم ومستمر معها على أمل أن تحميه وتهيئ له الاستفراد بالقرار السياسي والاحتفاظ بالامتيازات غير الشرعية لمدى الدهر ويعمل جاهدا على تغييب الإرادة الشعبية في صنع القرار السياسي عبر الوسائل المختلفة وبكل الطرق الملتوية ومن ثم إعطاءها صبغة قانونية, ولخلق مجتمع متعدد الأعراق والثقافات لا يتمتع بالتجانس والانسجام وهي وريثة السياسة البريطانية في المنطقة التي اعتمدت على فرق أجنبية من الهنود والبلوش والباكستانيين لحفظ الأمن ولعدم ثقتها بالمواطنين, والنظام يحس بأن البلد تعاني من قلة وندرة في المواطنة المخلصة التي تمثل قمة الانسحاق والعبودية والشاهد على ذلك أحداث التسعينات وعليه فأنّ المستوردين هم الذين يمثلون المواطنة المخلصة والولاء المطلق وهم من يستحقون المراكز الحساسة وخاصة في الجيش والشرطة, وهم لم ولن يترددون في قمع وتعذيب وقتل المواطنين بينما يأبى العسكري البحريني فعل ذلك فهذه مسألة تتعلق بالضمير والشعور والقيم والقرابة والوطن والوعي ولهذا أيضا تم استيراد الجهلة البدو ساكني الصحاري, ولضمان السيطرة على ثروات الشعب كاملة دون مساءلة من أحد أو تذمر بتأمين السيطرة ابتداءً على المؤسستين العسكريتين بالغرباء الذي لا يهمهم أكثر من الحصول على علفهم خلاف الشعب الذي يبحث ويناضل لأجل الدين والحرية والكرامة, وهذه العيّنات المستوردة في بعض من نماذجها قابلة للتعاون مع أطراف في النظام لتحقيق الأرباح المالية وملذاتها الدنيوية على حساب عفتها وتحت شعار السياحة, فملف الفساد الأخلاقي يتغذى سوءا بهذه الموجودات الغريبة عن المجتمع.




التغيير الديموغرافي



بدأت محاولات التغيير الديموغرافي منذ دخول قبيلة آل خليفة للبحرين وبدأت الطائفية السياسية وتهميش أبناء الغالبية من السكان, وكان الغالبية من أبناء البحرين ولا زالوا حتى اليوم يدينون بالمذهب الشيعي بينما تدين قبيلة آل خليفة بأحد المذاهب السنية, لقد قامت القبيلة الحاكمة بمجازر ضد الأهالي المسالمين وتحت الضغط والاضطهاد والحروب هاجرت أعداد كبيرة من الشيعة إلى دول المنطقة كإيران والعراق والإحساء والقطيف وأمارات الخليج الأخرى, وحصرت القبيلة الحاكمة الوظائف القيادية والتنفيذية في الدولة على فئة معينة في المجتمع, فكان التغيير الديموغرافي هدفا أساسيا سعت له السلطات البحرينية لترفع به هاجس حكم الأكثرية الشيعية ولم تتوقف لحظة عن العمل عليه ولكن ما يميزها الآن هو جعله الهدف الأول في السياسة الداخلية للنظام والعمل ليلا نهارا سرا وإعلانا لأجله وجعل المشاريع الحكومية الأخرى مبتنية عليه, حتى كتبت مجلة المنامة الإلكترونية أن النظام ينوي تجنيس 300 ألف شخص من أبناء السنة لتغيير التركيبة السكانية وقالت مصادر شعبية أنه جنس من قبيلة الدواسر لوحدها خمسين ألف شخص, ونسبت بعض التقديرات غير المؤكدة إلى أن عدد المجنسين السوريين والأردنيين خلال السنوات الست الماضية قد وصلت إلى 35 ألف متجنس, أما الأرقام الحقيقية فهي محجوبة عن الشعب ولكن حركة الشارع في البلد والتقديرات تشير إلى أرقام هائلة قد تصل إلى خمسين ألف شخص غير الخليجيين في سنوات قليلة ماضية أي ما يقارب من 15% من سكان البحرين, استوردوا من أصقاع الأرض في السنوات الأخيرة يمثل الجهلة والبدو الغالبية الساحقة منهم, قال لي مرتزق باكستاني يعمل كشرطي بلغة عربية مكسرة أنّ "هناك كثير كثير أخذوا الجنسية البحرينية", يصل الرقم إلى عدد لا يستطيع هذا المرتزق بيانه فهو خارج عن منطقة إدراكه الحسابي, ورغم أنه يتحدث خارج البلد إلا أنه كان خائفا ومرتبكا ويشعرك بأنه ارتكب سوءا يخشى اكتشافه. ومن الممكن أن يتم استيضاح التغير السكاني حين الكشف عن الإحصاءات الرسمية الحقيقية السبع لعدد السكان والتي بدأت في عام 1941, أو معرفة أعدادهم التقريبية عن طريق الإحصائيات الأخيرة كما نقل عن أحد الأكاديميين البحرينيين, حيث أوضح أنه إذا كان عدد البحرينيين من ذوي الفئة العمرية 40 - 50 في إحصائية 1993 هو5000 شخصا مثلا فان عدد البحرينيين من ذوي الفئة العمرية 50 - 60 في الإحصائية الأخيرة لا بد أن يقارب 4700 شخصا بسبب الوفيات فإذا كان العدد الرسمي 7000 فإن المجنسين في تلك الفئة هم 2300 شخصا تقريبا وهي حاصل طرح 4700 من 7000, وبتطبيق ذات الطريقة على باقي الفئات العمرية ثم جمعها يخرج لنا عددا تقريبيا للمجنسين بين الإحصائيتين المفروضتين لمعرفة العدد, وهذا العدد لا يشمل الذين جنسوا بعد الإحصائية الأخيرة المفروضة أو الذين لم يدخلوا في الإحصائية أساسا.

وهذا المنهج في التغيير الديموغرافي والسعي الحثيث إليه يقوم به كل أطراف النظام الحالي سواء الداعي إلى تجميل وتزيين صورة النظام أو المتمسك بالمنهج الأمني القديم فهي تخطط على الهيمنة على الغالبية الشيعية والتلاعب بالمسار السياسي القادم بشكل استراتيجي خطير. ويتحدث الناس في البحرين أنّ رئيس الوزراء قد فتح مكاتب في دول الخليج وخاصة في السعودية لتجنيس أبناء السنة وجعلهم وقودا في السياسة الداخلية البحرينية دون أن يعلموا, بل جعل المجتمع يتشكل من كوكتيل من البشر ليست بينهم روابط ويسهل التحكم به وجعله موضوعا للسياسات والأغراض الهابطة التي يأبى أبناء البلد من أن يكونوا موضوعا لها.

وتعتبر حركة أحرار البحرين أن خطة تغيير التركيبة السكانية في البحرين تعتمد على عدد من الإجراءات في مقدمتها: إصدار المراسيم الملكية التي تتخذ صفة القانون وفرضها بقوة الحكم وتنفيذها بالشكل الذي يلائم العائلة الحاكمة، الالتزام بالسرية المطلقة في ما يتعلق بأعداد المجنّسين من الأجانب وجنسياتهم الأصلية، إظهار هذه الخطة بشكل مناسب يختلف تماما عن دوافعها التي تنطلق من الرغبة في إحداث تغيير جوهري في التركيبة السكانية وذلك لتكريس الحكم المطلق للملك بدون الخشية من معارضة حقيقية. وأخيرا فأهم ما تنطوي عليه الخطة استغلال انشغال البعض بالمشاريع الحكومية لتمرير هذا المشروع الأخطر. فقد طرح الحكم في 14 فبراير 2002 دستورا مفصلا وفق احتياجات الحكم متجاوزا الدستور الشرعي التعاقدي، وربط ذلك بانتخابات لمجالس صورية مسلوبة الصلاحيات. واليوم أدرك الحكم نجاح خطته، وأعلن عن برنامج واضح لتغيير التركيبة السكانية للبلاد، مدركا أن أساليب التخدير حققت ما يريد من الهاء البعض بالقضايا الهامشية عما هو جوهري من الأمور(1).

وفي حين عبرت مختلف القوى والاتجاهات الشعبية عن خطورة سياسة التجنيس وضرورة الحفاظ على سلامة التركيب الديموغرافي للبلد وموازينه الاجتماعية وإبقاء الثقافة المحلية والتقاليد والأعراف الدارجة محفوظة وذلك بوقف هذا التلاعب الخطر بمستقبل البلاد عبر هذه السياسة لكنها لم تلق أي تجاوب من السلطات البحرينية التي أنست النفي المطلق, وهي هنا تنفي وجود سياسة تجنيس واسعة لجماعات كبيرة من مختلف الجنسيات وتنفي أن يكون التجنيس له أثر على التركيبة السكانية وتكرر النفي على لسان أكثر من موظف حكومي كوزير الإعلام نبيل الحمر ووكيل وزارة الداخلية لشؤون الهجرة والجوازات (2) وتقوم بإظهار أرقام غير حقيقية للمجنسين دون أية تفاصيل عنهم أو السماح للقوى الشعبية بمراجعة ملفاتهم في عهد تسميه السلطة بعصر الشفافية والمصارحة والمحاسبة, ولم يأت النفي إلا بعد تصاعد الاحتجاج الشعبي على سياسة التجنيس التي اعتبرت تطاولاً على ثوابت البلد وعملاً عدوانياً يهدف إلى إيجاد تغيير في التركيبة السكانية.

وإذا كانت السلطات تجنس غير البحرينيين وتنفي محاولتها لتغيير التركيبة السكانية للبلد فإنّ المواطن يتساءل هل يقبل النظام تجنيس البحرينيين الشيعة الذين خرجوا من البحرين وانتشروا في المنطقة في إيران وخاصة خرمشهر أو المحمرة والعراق والمنطقة الشرقية من الجزيرة العربية ومنطقة الخليج في أوقات الأزمات ولا زالت عند شيوخهم وعجائزهم جوازات السفر البحرينية وبعضهم يطالب بالرجوع الآن؟ وأليس هؤلاء أولى من المرتزقة البدو الذين جيء بهم من الصحاري؟ أو تباشر بإنهاء ملفات المواطنين المحرومين من الجنسية في داخل البلد والمبعدين الذين لا يزالون في الخارج ولم يسمح لهم بالرجوع إلى وطنهم حتى هذه اللحظة.

أما هاجس وصول الغالبية إلى الحكم لدى الحكم في البحرين فهو يتشابه مع تخوف البيض في استراليا ونيوزلندا من صيرورتهما أقليتان ووصول السكان الأصليين وفيهما إلى الحكم عن طريق الديموقراطية التي لابد منها, وتقوم استراليا بتلقيب المولود على أراضيها بابن الكنغر نسبة لموطن الكنغر الأصلي وهو استراليا كما تكتب السلطات البحرينية في جوازات سفر المواطنين البحرينيين بحريني بالولادة ولأبناء آل خليفة بحريني بالسلالة على عكس الحقيقة, والفارق أن تلك أنظمة توصف بأنها ديموقراطية ولديها حرية، والنظام في البحرين لا يوصف بهما وسجله أسود في مجال حقوق الإنسان, ومما زاد من خوف البلدين وصول السكان الأصليين في جنوب أفريقيا إلى الحكم بعد قرن من حكم البيض, وليست إلا العدالة وحدها كسبب مادي وظاهري تستطيع أن تطمئن الحكم وتمدد عهده في البلدان على هذه الشاكلة.

وقام النظام بأساليب تهدف إلى تقليص عدد الشيعة حيث عمد إلى منع تمكين الشيعة الذي يطلق عليهم البحارنة محليا من العمل, وتعمد فقرهم, ومحاربتهم في أرزاقهم وحرمانهم من العمل والعيش في البحرين وفي دول المنطقة, أو إعطاءهم أجورا منخفضة لكي لا يستطيعون الزواج أو الزواج المبكر, ولا يستطيعون الإنجاب وإن استطاعوا فلن يكثروا من الأبناء, ومحاربتهم من التعليم العالي وإعطاءهم نسبة قليلة من المنح والبعثات الدراسية في داخل وخارج البلد. ومن جهة أخرى يعتبر تكاثر المجنسين كبيرا قياسا بشعب البحرين بجميع شرائحه فعدد أبناء كل أسرة هو سبعة إلى ثمانية إضافة إلى الأب والأم وهذا يعني صيرورتهم الغالبية خلال عقود قليلة قادمة وهم لا يعانون من مشكلة معيشية بعد أن وفرت لهم السلطة الوظائف والمساكن والقروض وكامل الخدمات الأخرى, وهذا يعني أنّ النسبة بين البحرينيين والمجنسين وكذلك بين الشيعة والسنة التي هي قبل التجنيس تقارب 4 إلى 1 سوف تتغير تدريجيا لتكون لصالح الطرف الأقل وهذا تماما ما يطمح إليه الحكم, خاصة أن المجنسين الأجانب غالبيتهم في سن الشباب وفي العقد الثالث من أعمارهم غير الشريفة فتجنيس 1000 شخص يعني تجنيس 1000 أسرة تتكون في متوسطها من أب وأم و8 أبناء ليكون الناتج 10000 شخص فإذا كان عدد المجنسين المرتزقة 50000 رأس فهذا يعني أن عددهم لاحقا سوف يكون نصف مليون فرد وهذا يفوق عدد السكان الحالي شيعة وسنة, ولرؤية ما ستؤول إليه التركيبة السكانية في البلد نستطيع أخذ مدرسة مدينة حمد نموذجا ومشاهدة تركيبة التلاميذ فيها حيث أصبح البحرينيون الأصليون أقلية بالنسبة إلى التلاميذ أبناء المرتزقة العاملين في الجيش والشرطة.

ولا يخفى على العقلاء أن ما يقوم به النظام في البحرين ويظن أنه لمصلحته وأنه هو الطريق لاستقرار البلد وأمنه ليس إلا مجازفة ولعب بالنار قد يذهب النظام ضحية له والأيام دول, ولم نشهد أبدا في التاريخ وجود نظام سياسي جلب المرتزقة وقمع بهم الشعب ولا نعقل أبدا أنهم سوف يكونون أوفياء له, كما لا يضمن بقاءهم في البلد مع العلم بوضعهم والهدف من استيرادهم, وفي التاريخ القريب يمكن الرجوع إلى تجارب الدول في محاولاتها للتغيير الديموغرافي التي جرّت عليها كوارث إنسانية ففي الاتحاد السوفيتي السابق حيث عمدت الإدارة الشيوعية لتخريب الوضع الديموغرافي بإرسال الملايين من الروس إلى الدول الإسلامية بطريقة تتم بها عمليات التجنيس في البحرين مع فوارق أهمها أنّ الروس لم يكونوا في وضع تعليمي هابط أو جهلة ولا يعلم أنهم جميعا مرتزقة يعملون في الجيش والشرطة كما في البحرين وقد أدّى تغيير التركيبة السكانية هناك إلى مذابح وفتن لم تنته منها تلك الدول حتى الآن وتغيرت هوية البلد بما لا تحمد. وفي جنوب أفريقيا حيث حكمها البيض عنوة استطاع النظام العنصري ما يقارب القرن البقاء بسلوك طريق التمييز والمجازر ضد المواطنين الأصليين مصّرا على تغيير تركيبة وهوية البلد لكنه لم يستطع البقاء طويلا وتم إنقاذه عبر استلام السود للسلطة بعد صراع طويل وسفك دماء. أما على مستوى المنطقة فقد سعى نظام صدام حسين الدكتاتوري في العراق إلى إغراق البلد بالعمالة الأجنبية وجلب أربعة مليون مصري لتغيير التركيبة السكانية فلم تحل مشكلة النظام مع شعبه بل ازدادت توترا واحتقانا حتى وصل الأمر إلى تعرضهم للقتل المتعمد واضطرارهم للهروب من العراق بلا رجعة, أما وجه الشبه مع عمل النظام العراقي فهو يتمثل أساسا في اعتبار رئيسه النموذج الأكمل لبعض أطراف الحكم في البحرين وخاصة في طريقة تعاطيه وتعامله مع المعارضين, وأن البلد مسلمة يكوّن الشيعة الغالبية العظمى من سكانها والحكم سني المذهب ويسعى إلى تغليب الأقلية السنية وتغيير التركيبة السكانية لصالحها.

أما في الأراضي الفلسطينية المحتلة فإنّ النظام العنصري يقوم علنا وجهرا بمحاولة تغيير التركيبة السكانية منذ احتلاله لفلسطين ولكن الصورة أصبحت سوادا على المهاجرين اليهود في فلسطين وصاروا موضوعا للعنف والقتل وما يزال الرفض الفلسطيني للنظام متواصلا بعد مضي 55 عاما على الاحتلال, ويؤسفني أن أرى في الوضع البحريني التشابه الأكبر مع ما يجري في فلسطين وهذا ما يجهر به أهل البحرين ويتحدثون به علانية ويكتبونه في منتدياتهم, فجزر البحرين تعرضت لاحتلال من قبل قبيلة بدوية سنة 1783 هي قبيلة آل خليفة كما تعرضت فلسطين لاحتلال اليهود, وهذين الاحتلالين هما أرضية التشابه بين سياسات الدولتين منذ أول لحظة لاغتصاب الأرض, ومنذ ذلك التاريخ بدأت القبيلة القاتلة بتغيير ديموغرافي سكاني للبحرين وقلصت عدد السكان الأصليين وهي الآن تعمل على بناء المستوطنات للمجنّسين في جنوب البلاد، ويعلن الحكم عن برنامج إسكاني واسع لخلخلة التركيبة الإسكانية, كما أنّ سياسة الاستيطان الإسرائيلية حققت تغييرا في التركيبة السكانية إذ أصبح الفلسطينيون الآن يشكلون خمس سكان الأراضي المحتلة عام 48, وكما أنّ قوات الاحتلال سعت لإزالة الهوية الثقافية لفلسطين وفشلت فإنّ السلطات في البحرين تمارس منذ الستينات سياسة الابادة الثقافية المحرّمة دوليا. وكما تمارس الحكومة الإسرائيلية سياسة الإبعاد للمواطنين الفلسطينيين، وما تزال تفعل ذلك بين الحين والآخر, وقامت في 1993 بإبعاد 400 فلسطيني إلى مرج الزهور في جنوب لبنان، ولكنها تراجعت تحت الضغط الدولي عن ذلك القرار فإنّ حكومة البحرين مارست سياسة الإبعاد خصوصا في العشرين عاما الماضية، وأبعدت مئات البحرينيين إلى إيران ومناطق أخرى, ولم تتوقف عن الإبعاد إلا في العامين الماضيين, وبينما تمنع السلطات الصهيونية اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم تمنع السلطة البحرينية المهجرين والمبعدين إلى وطنهم, وقد قامت الصهيونية العالمية بإغراق فلسطين باليهود المهاجرين وقام النظام في البحرين بإغراق البلد بالمرتزقة الأجانب, وهكذا تكررت الانتفاضات في الأرضين احتجاجا على النظامين الموصوفين بالعنصريين.

وقد زاد هذا التغيير الديموغرافي القسري الوضع الطائفي سوءا وضاعف من شعور الغالبية العظمى من الشعب بالغبن والاضطهاد وبكذب مقولة الإصلاح مما يكون له انعكاسات على وضع البلد واستقراره, ويرغب الحكم عن طريق هذا التغيير الديموغرافي إيجاد صفوف حماية للنظام خارجة عن الشعب الذي يعيش صراعا معه ومن ثم الاستمرار في احتكار القرار السياسي والاحتفاظ بالامتيازات غير الشرعية إلى أبعد مدى, لكنه ليس من المؤكد أن يكون تغيير التركيبة الديموغرافية لصالح النظام في المستقبل البعيد كما يأمل لأنه يلعب بنار الطائفية ويخدع بها جزء من الشعب وهو سيخسر هذه الورقة حين تتغير ديموغرافية البلد



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية