القدس العربي ـ الإثنين ـ 29 ديسمبر 1997
بادئ ذي بدء، نرى ضرورة تسجيل ملاحظة توضح من خلالها وجهة نظرنا المتمثلة في أننا لا نرى ثمة فرق بين مجلس البرلمان ومجلس الشورى وذلك أنه من الواضح والميسور استنتاجه أن "مجلس الشورى ومجلس الأمةوالمجلس الوطني ليسوا إلا مرادفات وتوجهات تعريبية لـ"مجلس البرلمان". ولذا فإن اعتبار مجلس البرلمان ومجلس الشورى وجهين لعملة واحدة اعتبار موقف ويحظى القبول. إذا ما تم التعامل معهما طبقا لإرادة الدستور،والقوانين المنبثقة عنه والمرتكزة عليه كمرجع وحيد بعيدا عن التفسيرات والاجتهادات المتحذلقة، وفي هذه الحالة فإن أيا منهما قادر أن يحقق المشاركة الشعبية الحقة في إدارة دفة الحكم وتصريف شؤون المجتمع، ويشيع الحرية،وعلى رأسها الحرية الفكرية أساس تقدم المجتمعات وتطورها، ويجسد للديمقراطية الفعلية، بعكس مجلس الشورى المستأنسة (المعين)، أن جاز لنا أن نطلق عليه صفة الشورى. لأن هذا النوع من المجالس يفتقد الحد الأدنى منالديمقراطية، تماما كما يفتقد صفة الشورى والتمثيل السليم للشعب، كما سنرى ذلك في هذه المقالة.
بهذه المقدمة ندخل إلى صميم موضوعنا، انطلاقا مما يمكن اعتباره نقطة لقاء وتوحد وقاسما مشتركا بين المجلسين، البرلمان والشورى الملزمة وهي المشاركة الشعبية من خلال انتخابات مباشرة في جو من الحرية والديمقراطيةالتي هي الإفراز الطبيعي الذي تنجلي عنها العملية الانتخابية لمجلس البرلمان أو مجلس الشورى، والديمقراطية كما نفهمها من خلال معناها الكلاسيكي للتداول هي: "حكم الشعب بالشعب من خلال انتخابات حرة نزيهة طبقا لماتنص عليه دساتير المجتمعات المؤهلة ديمقراطيا والمتحضرة فكريا". ولعلي هنا أضيف إلى ذلك المعنى الكلاسيكي للديمقراطية السالف الذكر بعدا آخر يضفي عليها مزيدا من البريق ويضعها في مسار النور ويولجها فعالة مؤثرةدافعة نحو العلى في صميم المجتمع، وهي أن الديمقراطية التي تقررها المجالس النيابية المنتخبة سواء منها ما يطلق عليه "البرلمان" في المفهوم الغربي، أو "الشورى" في المفهوم العربي الإسلامي، تعني الأخذ بأسباب التطوروالتحضر وتدفع إلى الارتقاء إلى أعلى درجات الرقي من خلال المشاركة الشعبية الصحيحة والمعترف بها على مستوى العالم المتحضر في إدارة دفة الحكم، وأنزهها في تسيير شؤون المجتمع. ولما أننا اعتبرنا أن الشورى ليستإلا مرادفات ترجمة تعريبية للبرلمان ولما أنهما، البرلمان والشورى يمثلان وجهين لعملة واحدة، فإن الضرورة تقتضي أن تتعامل مع مجلس الشورى وترسي قواعده بنفس الطريقة التي يتم بها عادة إرساء قواعد مجلس البرلمان، أيمن خلال انتخابات حرة. ولعل هنا من المستحسن واستكمالا للفائدة والوضوح، أن نتحدث عن الشورى ونتناولها بقدر من التفصيل من الناحية العملية والتطبيقية، من وجهة نظرنا وقناعاتنا. أن الشورى المستمدة من الآية القرآنيةالكريمة، بنصها الذي يشدد على أن {أمرهم شورى بينهم}، وأيضا {وشاورهم في الأمر}، كما نتصورها تعني، مشاورة الشعب من قبل القوامين عليه في شؤون حياته ومتطلباته. وبمعنى أدق، ترك المرشحين الذين يرشحون أنفسهمليتحملون مسؤولية صون الحقوق الشعبية والدفاع عنها، أو المرشحين من قبل السلطة للوعز لهم سرا أو علانية ليخوضوا المعركة الانتخابية للمنافسة، بهدف إبراز الأفضل والمؤهل للمهمة، أن يتقدموا سويا كل ببرنامجهالانتخابي، ويعرضوا أفكارهم وقدراتهم على تحمل المسؤولية أمام الجمهور صاحب المصلحة والمعني الوحيد باختيار نوابه الذين يمثلونه ويكونوا أمناء على مصالحه ليحاورهم ويناقشهم لكي يصل إلى قناعة لاختيار الأفضل وماذايعتقد أنه المؤهل من مجموع (المترشحين والمرشحين)، ولكي يتسنى للشعب محاسبتهم. هكذا يتجذر معنى الشورى، ويحق عندها أن يقال أن {أمرهم شورى بينهم}، وأيضا {وشاورهم في الأمر}. ولعلنا ونحن في هذا المجال منالمحاورة والتحليل والمناقشة والتفسير والاستعانة بكتاب الله، نكون قد اقتربنا بما يسمح لنا طرح الفرق والتمايز بين المجالس البرلمانية والشورى المنتخبة من جهة وبين المجالس المعينة التي نطلق عليها مجازا عبارة "شورى"والحقيقة أن الشورى منها براء. أن التعيين عبارة عن فرض إرادة المعين (بضم الميم وفتح العين وتشديد الياء مع كسرها) على المجموع، أي نفي العام لمصلحة الخاص، وفي هذه الحالة واضح بما لا يقبل الجدل انتفاء "المشورة"التي تعني التحاور الحر بين الشعب وعضو الشورى وهذا بدوره يؤدي إلى نفي الديمقراطية ومصادرة الحريات. مما يفضي إلى اختلال في تثبيت العدالة الاجتماعية، وانتهاء للحقوق المكتسبة، وهكذا نكون قد خلصنا إلى حقيقة لاتقبل الجدل ـ إلا جدل المكابرين ـ ذلك أن الحالة الأولى في إنشاء البرلمانات ومجالس الشورى انطلاقا من إرادة الدستور تعتبر التطبيق السليم للأمر الإلهي {وأمرهم شورى بينهم} و{وشاورهم في الأمر}. بينما الحالة الثانية"التعيين" تنتفي فيها الشورى، ويحل مكانها الفرض القسري، وحكم الفرد والاستبداد بالرأي. كما لا يخفى أن العضو المعين لا يعدو عن كونه موظفا محدود الصلاحيات في حدود المهمة التي عين لإنجازها، يأتمر بأمر من عينهوينتهي بنواهيه فهو لا يستطيع ولا يحق له وليس في القانون الذي بحكم عمله ومن خلاله اكتسب العضوية ما يبيح له، مثلا استجواب أي مسؤول في السلطة التنفيذية ولا يمكن مساءلة أي وزير حتى ولو كانت رائحة التجاوزاتتزكم الأنوف. وتاريخ المجالس المعينة لم يذكر لنا ولو لمرة واحدة أن مجلس تشريعيا معينا تمكنت من محاسبة أي وزير أو إسقاط أية حكومة لأنه لا يعقل في ظل عدم المساءلة أن لا تكون هناك تجاوزات تستوجب المساءلة. ومنناحية ثانية فإن أيا من أفراد الشعب لا يحق له مطالبة العضو المعين بأي أمر من الأمور لأن هذا الفرد ليس له فضل في تعيينه. ومن كل ذلك فإن الشورى التعيينية ليست إلا امتدادا وترسيخا للحكم الفردي الاستبدادي ومصادرةللحريات وفرض الأمر الواقع. وأخيرا لا محالة ولا مهرب من الأخذ بالديمقراطية لكونها الوسيلة الوحيدة التي تحمي المجتمع من انتهاك حقوقه وتجاوزات إرادته وهي التي أثبتت عمليا عبر مراحل التاريخ فعاليتها في خلقالمجتمعات البشرية الراقية والمتطورة والمتحضرة والمتآلفة ولنا في الغرب المتطور والمتقدم أكبر دليل، ومن هذا المنطلق فإن الديمقراطية تكتسب صفة العالمية حيث تفقد الادعاءات المتهالكة بتصنيف الديمقراطية على أنها صالحةلمجتمع دون آخر قيمتها وأن العدل والصدق والموضوعية تقتضي لا تصنيف الديمقراطية ولكن تصنيف من يرفض الديمقراطية إن كانت لديه القدرات الفكرية والثقافية التي تؤهله للارتقاء إلى مستوى الديمقراطية والتعامل معها منخلال إنشاء المجالس النيابية المنتخبة بإرادة الشعب.
"الإيكنومست" البريطانية (6 ديسمبر 1997):
الجمعة, 01 فبراير, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










