ثقافة المؤسسة الحاكمة:
يوضح كل من أميل نخلة (1976) واسحاق الخوري (1980) في كتابيهما الشهيرين عن البحرين، طبيعة التناقض بين منطق الحكم القائم على الفهم القبلي والحكم القائم على أسس المجتمعالمدني المعتمدة على مفاهيم المشاركة الشعبية والمحاسبة العامة والشفافية في التعامل بين الحكومة والشعب. وكمدخل لفهم التناقض بين المفهومين نرجع إلى التعريف "شبه الرسمي" لدولةالبحرين. ويمكن الحصول على هذا التعريف من قراءة الصفحات الخاصة المعنونة "دولة البحرين" المنشورة في "دليل الهاتف" الصادر عن شركة بتلكو في البحرين. فذلك القسم الخاصيحتوي على أربعة أسماء وهي: أمير الدولة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، ولي العهد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، والشيخ راشد بن عيسىآل خليفة. هذا التعريف شبيه بالتعريف الذي طرحه الملك الفرنسي لويس الرابع عشر (عاش بين 1638ـ1715) الذي قال "أنا الدولة".
من الناحية التاريخية، فقد نحى الفهم القبلي (المتطرف) لطريقة الحكم بعدم قبول مفهوم "الحقوق المدنية"، وأن أقصى ما يمكن السماح به هو إفساح المجال لإبداء الرأي حول جوانب محددة منالشؤون العامة. وعلى أي حال فإن أي مشورة ليست لها صلاحية نافذة ومستقلة بذاتها، والأمر يرجع في النهاية للسيادة "القبلية" في أن تقبلها أو ترفضها.
تعتمد هذه الثقافة المتطرفة على مفاهيم العصبية القبلية التي تعبر عنها مقولة "أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب". وتحقق القبيلة سيادتها من خلال قهر القبائل والمجاميعالبشرية الأخرى، وتتم إدارة شؤون ذلك التجمع من خلال مجلس يرأسه شيخ القبيلة ويحضره أقارب الزعيم لتداول الشؤون العامة. وفي جميع هذه المجالس فإن الحوار الشاق والانتقاد ينظر لهنظرة غير مقبولة، وتحبذ القبيلة أن تكون هذه المجالس مملوءة بالشعر ومدح الزعيم، على أن يستلم أفضل متحدث على هدايا. والهدايا والمنح هي الأساس، فليس هناك حق لأحد. والجميع عليهمالإذعان بأن المسيطر له الحق في الاستحواذ على كل شيء، وما يقوم به من توزيع للثروات ما هو إلا منحة وتكريم ملزوم بشكر وتفان ومزيد من المديح من المستلم "للهدايا".
صحيح أن الإسلام بدأ في مجتمع قبلي، إلا أن الرسول (ص) علم المسلمين أن الله جل شأنه هو الواحد الأوحد الذي يرزق من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء وان الناس سواسية كأسنانالمشط وان التسامح والاخوة والاجتهاد في الخير من اساسيات المجتمع الذي تسوده العدالة. والبحرين لم تعرف الثقافة القبيلة وسيلة للحكم إلا مع مجيء عائلة آل خليفة للحكم قبل قرنين منالزمان. فالبحرين هي "ديلمون" مهد للحضارة والمدنية بمستواها القديم. ثم تطور المجتمع ليعتمد على التجارة والزراعة والعلم على مر السنين. وانتهى عصرها الذهبي مع مطلع القرن الثامنعشر عندما انتشرت المجاعة في المناطق المجاورة (الجزيرة العربية) وشرعت عدد من القبائل للنزوح إلى المناطق المزدهرة، التي كانت البحرين أحدها. ولهذا تعرضت البحرين لغاراتمتواصلة ابتداءا من العام 1700 ولأكثر من 100 عام بعد ذلك، مما أدى لتدمير قراها التي أحصاها الربان أحمد بن ماجد في القرن الخامس عشر (1498م) بـ360 قرية. وتحدث الربان بنماجد عن وجود ألف قارب تجاري يعتمد على تجارة اللؤلؤ ووفرة الماء العذب والخير الوفير. ولكن شن الغارات المتكررة، ادى لتدمير أكثر من 200 قرية وتشريد أهلها. وهذه هي الفترة التييطلق عليها أهل البحرين اسم "خراب البحرين". وعندما سيطرت بريطانيا على الخليج في العام 1820 سعت لتعزيز الحكم القائم على أساس قبلي لأن ذلك كان يناسب السياسة البريطانيةالساعية لحماية الطرق المؤدية للهند. واستمرت سيطرة بريطانيا على البحرين حتى العام 1971.










